* ومنها.. مجاهدة النفس على القناعة والكفاف..
فالنفس تصبو لكل شهوة، وتهفو لكل متعة..
والكيس من على طريق الحق قوَّمَها، وفي مرضاة الله صيرها..
اسمع لهذه المحاسبة اللطيفة من ابن الجوزي وهو يقول:
فخلوت يومًا بنفسي فقلت لها: ويحك اسمعي أحدثك.. إن جمعت شيئًا من الدنيا من وجه فيه شبهة أفأنت على يقين من إنفاقه؟
قالت: لا..
قلت: فالمحنة أن يحظى به الغير ولا تنالين إلا الكدر العاجل والوزر الذي لا يؤمن..
أما لك عبرة في أقوام جمعوا فحازه سواهم، وأملوا فما بلغوا مناهم..؟
كم من طيب العيش لا يملك دينارين، وكم من ذي قناطير منغص.. ربما نزل المرض بصاحب الدار أو ببعض من فيها فأنفق في سنته أضعاف ما ترخص في كسيه، والمتقي معافى.. [1]
* ومنها.. معرفة نعم الله تعالى والتفكر فيها..
فإن المسلم لو تأمل حجله ومعاشه لوجد نعم الله تعالى تحيط به من كل جانب.. يعجز عن شكرها، وتهفو نفوس كثير من الناس إليها.. لا يمثل المال والجاه أي شيء عندها..
من ذلك نعمة السلامة في الأنفس والأبدان، والعافية في الأهل والولدان، والأمن في الدور والأوطان.. وغيرها كثير.
جاء رجل إلى يونس بن عبيد يشكو ضيق حاله، فقال له يونس: أيسرك ببصرك هذه مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيدك مائة ألف؟ قال: لا، قال فبرجلك مائة ألف؟ قال: لا، ثم ذكر نعم الله عليه، وقال: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة [2] .
بل إن بعض أهل الجاه والأموال ليتمنى ربع العافية مقابل ماله وجاهه..
ولقد رأيت رجلًا موسرًا يبحث عن علاج لابنه وهو مستعد لإنفاق ثروته وأمواله مقابل شفائه..
وأعظم تلك النعم وأجلها.. نعمة الإسلام والهداية..
يوم أن أضل الله كثيرًا من الناس عنها وهداك أنت..
أن يختارك الله لأن تكون من حملة دينه وأهل طاعته وورثة جنته..
(1) صيد الخاطر (143) .
(2) عدة الصابرين (167) .