وذاك الفتى المدلل - مصعب بن عمير - رضي الله عنه - الذي كان في الجاهلية أطيب أهل مكة ريحًا، وأبهاهم لباسًا، وأرقهم ملمسًا، حينما عمر الإسلام قلبه حول وجهته للآخرة وشمر في مرضاة ربه وزهد في الدنيا، حتى قال عنه خباب بن الأرت - رضي الله عنه -: هاجرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نلتمس وجه الله تعالى، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير - رضي الله عنه - ، قتل يوم أحد، وترك نمرة - وهي كساء ملون من صوف - فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسه. [متفق عليه] .
ودخل رجل على أبي ذر - رضي الله عنه - فجعل يقلب طرفه في بيته ويعجب منه، فقال: يا أبا ذر أين متاعك؟ فقال: إن لنا بيتًا نتوجه إليه، فقال: إنه لابد لك من متاع ما دمت ها هنا، فقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا ها هنا [1] .
وقال الإمام أحمد رحمه الله: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أصبح وليس عندي شيء [2] .
الله أكبر.. شتان بين حالنا ولهفتنا وراء السراب وبين حال من عرف قدر الدنيا فشمر نحو عظيم الثواب.
قال الحسن البصري رحمه الله: والذي نفسي بيده لقد أدركت أقوامًا كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه [3] .
* ومنها.. تأمل أحوال من هم دونك..
فغالب الناس وضعهم ميسور، وحالهم مستور..
ولهذا لابد أن يتأمل المسلم حال من هم دونه في الرزق والمكانة ليقدر نعم الله قدرها ويعرف فضل منعمها.. أما في أمور الآخرة والمسابقة إلى درجات الجنة فلينظر إلى الذين جدوا فنالوا وبأعلى درجات الجنة فازوا..
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم» [متفق عليه] .
(1) جامع العلوم والحكم (379) .
(2) جامع العلوم والحكم (289) .
(3) تسلية أهل المصائب (328) .