وخرج ذات يوم في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مركب وملبس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها، ويميلون إلى نعيمها وزخرفها تمنوا أن يفوزا مثلما فاز، ويحوزوا الذي حاز!
فخسف الله به وبداره الأرض، فعرف القوم خطأهم وأدركوا حكمة ربهم.. { وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } [القصص: 82] .
وجعل الله تعالى قصة قارون وقومه مسطرة في الكتاب العزيز، ليعتبر المعتبرون، ويرتدع المفسدون..
وتتابعت الأيام والسنون، وتوالت الأحقاب والقرون.. حتى جاء عصرنا وحل زماننا.. وتوارث الخلف مقالتهم، وتمنى كثير من الناس منيتهم..
فبين قائل: ما أوسع رزق فلان وأسعده..
وبين متمنٍ: يا ليت عندي الذي عنده فأهنأ وأفرح معه..
وكأن الكتاب لم يقرع الأسماع، وتذكرته لم تُوع وتُطاع.. { وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } [النساء: 32] .
رويدكم يا قوم!! فوالله ما لهذا خلقتم، ولا من أجله وجدتم.. وما المال بغية، ولا الجاه غاية..
وإياكم والمال وفتنته، فقد أخبر الحبيب - صلى الله عليه وسلم - بأنه فتنة أمته.. قال - صلى الله عليه وسلم -: «إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» [رواه الترمذي] .
فهو يأخذ بالألباب، ويورث تباغض الأحباب..
لا يغني كثيره عن لهفة تحصيله، والسعي وراء زيادته وتكثيره.. فطالبه مَثَله كمثل العطشان يشرب من بحر أجاج، كلما زاد شربه؛ زاد عطشه..
قال ابن الجوزي رحمه الله: وأي لذة في جمع المال فضلًا عن الحاجة، فإنه مستعبد للخازن، يبيت حذرًا عليه، ويدعوه قليله إلى كثيره [1] ..
أخي الكريم..
(1) صيد الخاطر (243) .