جاء حكيم بن حزام - رضي الله عنه - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم قال: «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس - أي بتطلع وطمع - لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى» [متفق عليه».
وفي الحديث: «لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو كان له واديان لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» [متفق عليه] .
وللمال سلطان على النفوس عجيب، وتسلط على العبد غريب..
فهو لا يزال بصاحبه حتى يورثه حبه، وحب تحصيله والسعي وراءه، وربما ملك قلبه ولبه حتى يتخذه قائده ومرشده..
قال علي - رضي الله عنه -: من أحب الدنيا والدرهم كان عبدًا لهما ما عاش..
ولهذا ذم عليه الصلاة والسلام من اتخذ المال دليله ومرشده، فقال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، إن أعطي رضي، وإن منع سخط» [رواه البخاري] .
وما ذاك للمال خاصة، بل كل شهوة وملذة محببة للنفوس ميالة إليها متى ما غلا العبد فيها، وجعل همه تحصيلها ملكت فؤاده، وأصبحت شغله ومراده..
أخي الكريم..
ليس المراد من هذا أن يقف الإنسان عن طلب رزقه، والسعي وراء عيشه، فطلب الرزق مطلب شرعي وأمر إلهي فضلًا عن أنه سلوك بدهي.. قال تعالى: { هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } [الملك: 15] .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» [رواه أبو داود وغيره] .