فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 24

أو إلهائية، أو شكلية فإنه وضعت المدرس في مقام دوني في السلم الاجتماعي .. فقدمت عليه الطبيب والمهندس، والصانع، والموظف الإداري.

فالتربية والتعليم عمل غير منظور، وجهد جبار ولكنه يؤثر تأثيرًا بطيئًا جدًا لا تراه العين وهو معنوي أكثر منه حسي مشاهد، فشتان بين الطبيب الذي تذهب إليه بطفلك المريض وقد اشتدت درجة حرارته، وعلا صراخه وأنت مشفق عليه من الموت فيلمسه الطبيب بيديه، ويصرف له الدواء المناسب. ويعطيه ما يخفف آلامه .. فلا تفتأ أن يعود إلى الطفل ابتسامته وعافيته فلو أنك أخرجت كل ما في جيبك وأعطيته للطبيب لما كنت حزينًا على ذلك ولا آسفًا عليه ..

وأما المدرس فإنك تدفع إليه بابنك ليغرس فيه الأخلاق الطيبة، ويقوم عوجه النفسي والعقلي ويزرع فيه العلوم النافعة وهذا التقويم والتربية والتعليم لا يظهر على ابنك في يوم ولا يومين ولا شهر ولا شهرين .. إنها عملية بطيئة معنوية غير مرئية ..

وبالرغم من أن العملية التربوية كذلك عملية خطيرة جدًا؛ فالمعلم قد يزرع الطهر والعفاف والشجاعة وقد يزرع الخسة والدناءة والشر والانحراف .. إلا أنه لا يدرك هذا إلا القليل من الناس ممن لهم خبرة بمعنى التربية والتعليم و الفضيلة والرذيلة والاستقامة والانحراف.

والخلاصة أن العملية التربوية عملية خطيرة جدًا لأنها تتعلق بالنفوس والعقول. ومعرفة النفس والعقل وأمراضهما، وعللهما أكبر بكثير من معرفة الجسم وأصعب لأنك في الحقيقة تتعامل مع المجهول، ومع المعاني وليس مع المحسوس المعلوم. ولكن يبقى أمام الناس أن عمل الطبيب ظاهر واضح وعمل المهندس والصانع ظاهر واضح لأنه يتعامل مع المحسوس الظاهر، وأما عمل المدرس فلأنه يتعامل مع المعاني والمدركات فإن عمله خفي بطيء ولما كان الأمر كذلك فإن المدرس وضع في مرتبة دونية في المجتمع من حيث الأجر والراتب أولًا ثم بالضرورة من حيث نظرة عموم الناس إليه، ثم انعكس هذا وللأسف على القائمين بالتربية أنفسهم فأصبحت نظرة المدرس لعمله منطلقة من هذه النظرة السائدة في المجتمع فأصبح يحتقر مهنته ويزري بوضعه ووظيفته. وقلما نجد مدرسًا يدرك خطورة ما يصنع، وأهمية ما يقوم به ..

بل لقد استتبع هذا كله بالضرورة أن يتحول إلى مهنة التعليم من فشلوا في إيجاد عمل آخر ومهنة أخرى فيدخل إلى التعليم كراهية واضطرارًا. وساعد في ذلك أيضًا الترتيب الجاهل للدخول إلى الجامعات. فوضعت النسب العليا للعلوم المادية، الطب والهندسة وخصت النسب الدنيا بالكليات التي تعلم العلوم الإنسانية وأهمها التربية .. فاستتبع هذا بالضرورة وجود المستويات الثقافية المتدنية في الجهاز التربوي والتعليمي ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت