ما تعارفه الناس في هذه الأزمان من التمطيط والمبالغة في الصياح والاشتهار لتحريرات النغم؛ إظهارًا للصناعة النغمية، لا إقامة للعبودية؛ فإنه لا يقتضي الإجابة، بل هو من مقتضيات الرد، وهذا معلوم إن كان قصده إعجاب الناس، فكأنه قال: اعجبوا من حسن صوتي وتحريري. ولا أرى أن تحرير النغم في الدعاء -كما يفعله القراء في هذا الزمان- يصدر ممن يفهم معنى الدعاء والسؤال، وما ذاك إلا نوع لعب؛ فإنه لو قدر في الشاهد سائل حاجة من ملك أدى سؤاله وطلبه بتحرير النغم فيه من الخفض والرفع والتطريب والترجيع كالتغني، نسب البتة إلى قصد السخرية واللعب، إذ مقام طلب الحاجة التضرع لا التغني، فاستبان أن ذاك من مقتضيات الخيبة والحرمان ( ) .
وممن أنكر ذلك أيضًا المفسر الألوسي، فإنه ذكر كراهة رفع الصوت بالدعاء، ثم قال:"وترى كثيرًا من أهل زمانك يعتمدون الصراخ في الدعاء، خصوصًا في الجوامع، حتى يعظم اللغط ويشتد، وتستك المسامع وتستد، ولا يدرون أنهم جمعوا بين بدعتين: رفع الصوت في الدعاء، وكون ذلك في المسجد" ( ) .
وممن أنكر ذلك قبل هؤلاء أبو بكر الطرطوشي، فإنه ذكر أن ذلك ليس من كلام الماضين، وأنه ينافي مقام الدعاء من التذلل والخشوع، إذ السجع تكلف وتصنع، واشتغال الخواطر بإقامة الأوزان ( ) .
هذا وبعد أن استعرضنا ما ذكره العلماء من معاني الاعتداء ينبغي أن يعلم أنه ليس معنى الاعتداء الإكثار من الدعاء، خلافًا لما يتبادر من لفظ الاعتداء؛ لأننا أمرنا بالإكثار من الدعاء ( ) .
عدم التلبس بالحرام ( ) :
من أهم آداب الدعاء: أن يكون الداعي مجتنبًا للتلبس بالحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية، فلهذا ينبغي له أن يتحرى ويجتهد -إذا أراد أن يكون مجاب الدعوة- في أن يكون متلبسًا بالحلال أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية.
فللحلال سر عجيب في قبول الأعمال عند الله تعالى..