الصفحة 121 من 748

والسجع المذموم في الدعاء هو المتكلف؛ فإنه يذهب بالخشوع والخضوع والإخلاص؛ ويلهي عن الضراعة والافتقار وفراغ القلب، فأما ما حصل بلا تكلف ولا إعمال فكر لكمال الفصاحة ونحو ذلك، أو كان محفوظًا فلا بأس به، بل هو حسن ( ) .

ويدل لذلك: ما ورد من الأدعية مسجعًا نحو قوله صلى الله عليه وسلم: {اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع} ( ) . ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: {اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب} ( ) .

وهذا الذي وقع في الأحاديث الصحيحة من السجع كان يصدر من غير قصد إليه؛ ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام ( ) .

وقد أنكر العلماء الأدعية المسجعة إنكارًا شديدًا، وبينوا كونها من موانع إجابة الدعاء، قال القرطبي بعد أن ذكر أنواع الاعتداء في الدعاء:"ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة، فيتخير ألفاظًا مفقرة، وكلمات مسجعة، قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها، فيجعلها شعاره، ويترك ما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل هذا يمنع من الستجابة الدعاء" ( ) .

والقرطبي رحمه الله تعالى يشير بهذا إلى ما يصطنعه بعض الناس من الأدعية المبتدعة، وتكون في الغالب أحزابًا مجزأة على عدد الأيام والشهور أو على الحوادث والملمات، كما أنها تكون بالسجع المتكلف، ويزداد الأمر سوءًا وخطرًا إذا كانت مشتملة على الاعتداء في المعنى بالاستغاثة بغير الله تعالى ونحو ذلك.

ثم إن الذين يدعون بتلك الأدعية يغنون ويطربون بها، وربما تشبه أصواتهم أصوات المغنين، وقد أنكر العلماء هذه الفعلة في الأدعية أيضًا. قال الكمال ابن الهمام الحنفي (ت861هـ) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت