الصفحة 126 من 748

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإنه لا مستكره له} . وفي لفظ لمسلم: {وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه} . وفي لفظ آخر له أيضًا: {فإن الله صانع ما شاء، لا مكره له} ( ) ففي هذه الأحاديث أنه ينبغي للداعي أن يجتهد في الدعاء، ويكون على رجاء الإجابة، ولا يقنط من الرحمة، فإنه يدعو كريمًا، وقد قال ابن عيينة:"لا يمنعن أحدًا من الدعاء ما يعلم في نفسه -يعني من التقصير- فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: (( رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ) [الحجر:36] ( ) ."

وقد فسر بعضهم العزم الوارد في هذه الأحاديث بحسن الظن بالله تعالى في الإجابة ( ) . وهو قريب من المعنى الأول، وحسن الظن مطلوب في الدعاء أيضًا؛ لما ورد في الحديث القدسي: {أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني} ( ) .

ومما ينبغي أن يعلم أن النهي عن التعليق خاص بما هو خير محض من المطالب الدينية، كسؤال الرحمة والمغفرة، والمطالب الدنيوية المعينة على الدين كالعافية والرزق، وأما الأمور التي لا يتحقق العبد مصلحتها وعواقبها فيعلقها على اختيار ربه له الأصلح، كما في دعاء الاستخارة الوارد ( ) .

والسر في النهي عن التعليق هو أن عدم العزم في السؤال لا يليق بالبائس الفقير ذي الحاجة الشديدة، وإنما يليق بمن يمكن الاستغناء له، ولا أحد يستغني عن فضل الله وجوده وكرمه، وأما المضطر فإنه يجزم ويسأل سؤال الفقير المضطر إلى ما سأله ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت