الصفحة 131 من 748

ومعلوم أنه لو قيل"اغفر لي كل ما صنعت"لكان أوجز، ولكن في مقام الدعاء والتضرع، وإظهار العبودية والافتقار، فالتفصيل والبسط أفضل من الإيجاز والاختصار؛ وذلك أن الدعاء عبودية لله وافتقار إليه، وتذلل بين يديه، فكل ما كثره العبد وطوله وأعاده وأبداه ونوَّع جمله كان ذلك أبلغ لعبوديته، وإظهار فقره وتذلله، وكان ذلك أقرب له من ربه وأعظم لثوابه، هذا بخلاف المخلوق، فإنك كلما كثرت سؤاله وكررت حوائجك إليه أبرمته وثقلت عليه، وهنت عنده، وكلما تركت سؤاله كنت أعظم عنده، ولهذا قال بعضهم: فالله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب ( ) الدعاء ( ) في الرخاء والإكثار منه في وقت اليسر والسعة: إن من شأن العبد الصالح أن يلازم الدعاء في حالتي الرخاء والشدة، وأما غير الصالح فإنه لا يلتجىء إلى الله تعالى إلا في وقت الشدة ثم ينساه، وهذا شأن أكثر الناس إلا من عصمه الله، فقد ذكر الله تعالى هذه الطبيعة البشرية في عدة آيات من كتابه العزيز، قال تعالى: (( وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ) ) [يونس:12] وقال عز من قائل: (( وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا ) ) [الزمر:8] .

وقال جل جلاله: (( فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) ) [الزمر:49] .

وقال تبارك وتعالى: (( وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ) ) [فصلت:51] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت