ز- وقد دل القرآن على أن حصول الدعاء سبب في كشف البلايا والمصائب ومنع وقوع العذاب والهلاك، وأن ترك الدعاء سبب في وقوع العذاب والهلاك وهذا صريح في تأثير الدعاء في منع وقوع العذاب وكذلك العكس، قال تعالى: (( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ.... ) ) [الأنعام:40] إلى قوله: (( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ. فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) [الأنعام:42، 43] .
قال ابن كثير رحمه الله: (( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ ) ) [الأنعام:42] : يعني الفقر والضيق في العيش. (( وَالضَّرَّاءِ ) ) [الأنعام:42] : وهي الأمراض والأسقام والآلام. (( لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ) ) [الأنعام:42] : أي يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون، قال الله تعالى: (( فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) ) [الأنعام:43] أي فهلا إذا ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا... ( ) .
فمعنى هذا أنهم لو دعوا الله وتضرعوا لارتفع العذاب عنهم كما حصل لقوم يونس، ولكنهم لم يدعوا الله ولم يتضرعوا إليه، فوقع العذاب فهذا صريح في تأثير الدعاء في ذلك كما هو صريح من قوله تعالى في أول هذه الآيات: (( فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ) ) [الأنعام:41] إذ هو واضح في أن الدعاء هو السبب للكشف، فالفاء للسببية.
ومثل هذه الآية السابقة قوله تعالى: (( قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) ) [الفرقان:77] ، فإنه يدل -على تفسير الدعاء بدعاء المسألة- على أن الله تعالى لا يعبأ بعباده لولا دعاؤهم له فدل على أن الدعاء له أثر عظيم.