الصفحة 268 من 748

ويدل على اعتقاد المشركين بتأثير الدعاء أدلة كثيرة، نكتفي منها بمثالين:

المثال الأول: قصة قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رميهم الأذى على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي عند الكعبة، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: {فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم... ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته} وفي رواية للبخاري: {وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة} ( ) .

وهذا يدل على أن قريشًا تعتقد أن الدعاء مجاب في البلد الحرام، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ويمكن أن يكون ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم عليه السلام ( ) .

والمثال الثاني: قصة قتل خبيب بن عدي، فإنه لما أرادوا قتله، صلى ركعتين ودعا عليهم: [[اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تبقِ منهم أحدًا] ] فلما سمعوا دعاءه هذا ألقى أبو سفيان ابنه معاوية على الأرض، فرقًا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون: إن الرجل إذا دعي عليه، فاضطجع لجنبه زالت عنه ( ) .

دلالة المشاهدة والحس:

إن المشاهدة لتأثير الدعاء لمن أكبر الأدلة وأصدقها برهانًا وأقواها حجة، فنحن رأينا وشاهدنا في أنفسنا ومن حولنا تأثير الدعاء، فمن منا لا يقع في شدة وكرب وضيق ثم يستغيث بربه فلا يرى أثر ذلك؟ فنحن نشاهد في حياتنا وأيامنا القصيرة وقائع لنا ولغيرنا يحصل فيها إجابة الدعاء بعد يأس وقنوط من المخلوقات، وبعد انقطاع السبل والحيل، فهذا يكفي وحده للدلالة، لكن الإنسان يجادل ويكابر، قال الله تعالى: (( وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ) ) [الكهف:54] . ولا يعترف ولا يعتبر بما وقع له أو لغيره بل يحاول أن يتناسى ذلك، ولا يأخذ منه أي عبرة ودرس، ويصل به الأمر إلى إنكار مشاهداته وإحساساته لا سيما إذا تأثر بلوثة الشبهات والأفكار المنحرفة.. فنسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت