وبهذا نصل إلى أن الحق الذي لا مرية فيه أن الدعاء سبب من الأسباب وأن له تأثيرًا في جلب المنافع ودفع المضار كسائر الأسباب المقدرة والمشروعة، وأنه لا منافاة بين القدر والدعاء، فالدعاء من جملة ما سبق به القضاء وتضمنه القدر السابق.
الجواب عن الاعتراض بأن الدعاء قد أثر في الله تعالى:
فإذا ثبت- ولله الحمد- بالأدلة الصحيحة أن الدعاء له أثر عظيم في المطلوب من جلب نفع ودفع ضر.
فلا يتوهمن ( ) متوهم أن ذلك تأثير من العبد السائل في الله المسؤول، تعالى عن ذلك وتقدس.
وذلك لأن الله سبحانه هو الذي حرك العبد إلى الدعاء ويسره له وهو الذي قذف في قلب العبد الحركة إلى الدعاء وألهمه التضرع والابتهال والانطراح بين يديه ووفقه لذلك وصرف عنه الموانع من استكبار وإلحاد وكسل وغير ذلك، فهذا الخير والتوفيق منه، ولولا هذا الإلهام لما دعا العبد، وقد قال عمر رضي الله عنه: [[إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه] ].
وأخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه فقال:
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه ... ... من جود كفيك ما علمتني الطلبا
فإذا أراد الله بعبد خيرًا ألهمه دعاءه، والاستعانة به وجعل استعانته ودعاءه سببًا للخير الذي قضاه له.
كما أن الله تعالى إذا أراد أن يشبع عبدًا أو يرويه ألهمه أن يأكل أو يشرب، وإذا أراد أن يتوب على عبد ألهمه أن يتوب فيتوب عليه، وإذا أراد أن يرحمه ويدخله الجنة يسره لعمل أهل الجنة، والمشيئة الإلهية هي التي اقتضت وجود هذه الخيرات بأسبابها المقدرة لها كما اقتضت وجود دخول الجنة بالعمل الصالح، ووجود الولد بالوطء، والعلم بالتعلم، فعلم بهذا أن إلهام الله لعبده الدعاء هو السبب الرئيسي في القضية فلهذا قال عمر رضي الله عنه ما تقدم، وقال أبو حازم الأعرج: لأن أحرم الدعاء أشد علي من أن أحرم الإجابة ( ) .