في هذا نظر، والصواب أن الأخذ بالأسباب، والبدار بالدعاء، والاستغاثة عند الحاجة أولى وأفضل، وسيرته صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضي الله عنهم تدل على ذلك، ولعله إنما أخر الدعاء لأسباب اقتضت ذلك غير التفويض، فلما سأله هذا السائل بادر بإجابته، وذلك عن إذن الله سبحانه وتشريعه، لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، والله أعلم ( ) . ويمكن أن يجاب عن حديث المرأة التي تصرع وحديث الأنصار في أمرهم بالصبر بأنه رأى منهم الجزع وقلة الصبر فأمرهم بذلك أو أنه أوحي إليه أنه لا يكشف عنهم في ذلك الوقت وأخر الدعاء، قاله الزركشي وتبعه الزبيدي ( ) .
ويدل قوله في حديث المرأة: {إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة} على أن الابتلاء أفضل لها لما يترتب عليه من دخول الجنة فلهذا دعا لها في قضية التكشف مما يدل على أن الدعاء أفضل إذا لم يعارضه ما هو أولى.
ثم إنه يلزم من كلامهم عدة محذورات، منها:
1-ترك الدعاء الذي أمرنا الشارع به وهو عبادة من أعلى أنواع العبادات، وقد أرشدنا الله تعالى إلى دعائه ولم يقيده بشيء فقال: (( وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ) ) [النساء:32] ، فليس في هذا تقييد بأن لا يكون من حظ النفس.
والقول بالإشارة القلبية لا يمكن أن يذهب إليه لأنه يحتمل أن تكون لَمَّةً شيطانية فربما يوسوس له الشيطان فيترك طلب ما يكون الأولى له طلبه من المصالح الدنيوية والأخروية.
ثم يفوت العبد بهذه الوساوس الاستعانة بالله والتضرع إليه واللجأ إليه والتملق له إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها الدعاء، ثم إن الإشارة القلبية لا تتأتى من كل أحد ( ) .