الصفحة 277 من 748

ثم إن هؤلاء لم يعرفوا أن الدعاء والتوكل والتداوي من الأسباب التي شرعها الله تعالى لا يخرج الأخذ بها من الرضا بقضاء الله تعالى، كما أن من عرض له كلب الجوع لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التوكل والرضا بالقضاء، لأن الله تعالى جعل أسبابًا لدفع الأدواء كما جعل الأكل سببًا لدفع الجوع، وقد كان قادرًا أن يحيي خلقه بغير هذا ولكنه خلقهم ذوي حاجة فلا يندفع عنهم أذى الجوع إلا بما جعل سببًا لدفعه عنهم ( ) فكذا الداء العارض والبلاء النازل قد لا يندفعان إلا بالدواء والدعاء. فتحصل من هذا أن الدعاء والإلحاح على الله في الطلب لا يتنافى مع الرضا ولا مع التوكل، وإنما الذي ينافي الرضا ما لو ألح على الله متحكمًا عليه متخيرًا عليه ما لم يعلم هل يرضاه أم لا كما يلح على ربه في ولاية شخص أو إغنائه، أو قضاء حاجته، فهذا ينافي الرضا لأنه ليس على يقين أن مرضاة الرب في ذلك ( ) .

المبحث الثاني

في كون الراجح جريان الأحكام الخمسة فيه

الراجح أن الدعاء تجري فيه الأحكام الخمسة: فتارة يجب، وتارة يستحب، وتارة يباح، وتارة يكره، وتارة يحرم.

فتختلف فيه الأحكام بحسب الاعتبارات. وأما الأصل فيه بدون الاعتبارات الندب والاستحباب كما حكى ذلك النووي عن السلف فيما تقدم، وكما ذكر شيخ الإسلام أنه لم يجب دعاء مفرد أصلًا.

وقال القرافي ( ) : اعلم أن الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى له حكم باعتبار ذاته من حيث هو طلب من الله تعالى، وهو الندب، لاشتمال ذاته على خضوع العبد لربه، وإظهار ذلته وافتقاره إلى مولاه، فهذا ونحوه مأمور به، وقد يعرض له من متعلقاته ما يوجبه، أو يحرمه، والتحريم ينتهي إلى الكفر، وقد لا ينتهي ( ) .

وهذا التفصيل الذي ذكره القرافي هو الذي تدل عليه الأدلة ويجتمع به شملها ويدل على هذا أيضًا قول شيخ الإسلام: وأما الدعاء فلم يجب منه دعاء مفرد أصلًا، ثم ذكر دعاء الفاتحة والاستعاذة في التشهد ( ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت