فاتضح مما سبق تقريره أن دعاء الفاتحة أفضل دعاء دعا به العبد ربه، وأوجب دعاء، وأنفعه، وأعظمه، وأحكمه، وهو أجل المطالب ونيله أشرف المواهب، وأنجح الرغائب، لأنه جامع لكل مطلوب لأن فيه طلب الإعانة على مرضاة الله فإذا أعين الإنسان على مرضاة الله حصل له كل خير واندفع عنه كل الشرور، وبهذا تجتمع له مصالح الدين والدنيا والآخرة.
وفيه أيضًا طلب الهداية إلى الصراط المستقيم، فإذا هدي الإنسان إلى الصراط المستقيم في علمه وعمله وأحواله كلها، لم يبق له شيء من المطالب إلا ودخل في ذلك، فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير، والسلامة من كل شر ( ) .
وقد قال العز بن عبدالسلام رحمه الله تعالى: والهداية لأفضل الأعمال والأحوال والأقوال في أوقاتها المضروبة لها أفضل ما مَنَّ به الإلهُ سبحانه وتعالى ( ) .
ثم إن هذا الدعاء اشتمل على أكمل صيغ الدعاء من الجمع بين الثناء على المسؤول وإفراده بالطلب، وسؤال الحاجة، ففي الفاتحة تعليم الله عباده كيفية سؤاله وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم: توسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء ( ) .
فتبين بهذا لماذا كان هذا الدعاء هو المفروض، دون غيره من الأدعية، ولماذا لا يقوم غير الفاتحة مقامها؟
الثاني: التوبة والاستغفار:
قد اتفق العلماء على وجوب التوبة من الذنب، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ) ) [التحريم:8] .
وقال عز من قائل: (( وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ) ) [هود:3] .
وقال سبحانه: (( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ) ) [نوح:10] .