وثانيهما: انتفاعه باستجابة الله دعاء ذلك الداعي له، وهذا مثل ما يقصد الأمر بالمعروف فإنه ينتفع المأمور بعمله ويكون للآمر مثل أجره.
الصورة الثانية: أن يقصد بطلب الدعاء انتفاعه باستجابة الله دعاء ذلك الداعي فقط بدون أن يقصد انتفاع الداعي بذلك.
فالحكم في الصورة الأولى أنه جائز بل هو مستحب؛ لأن فيه الإحسان إلى الخلق وطلب الأجر من الله تعالى فيكون دائمًا بحق الله وحق عباده ويكون السؤال راحجًا على الترك ( ) .
وفي الصورة الثانية أيضًا جائز، وهل هو منهي عنه فيكون خلاف الأولى أو مكرهًا تنزيهًا ويدل على أنه خلاف الأولى الأحاديث المانعة من السؤال فهي عامة، كما يدل له ما ورد في حديث السبعين ألفًا أنهم لا يسترقون، والرقية نوع من الدعاء ( ) .
لكن الذي يظهر من ظواهر الأخبار أنه ليس خلاف الأولى لما ورد عن كثير من الصحابة أنهم طلبوا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم.
وقد نقل ابن مفلح ( ) عن شيخ الإسلام أنه ذكر أنه منهي عنه وإن كان لا يأثم، قال ابن مفلح: (ومن سأل غيره الدعاء لنفعه أو نفعهما أثبت، وإن قصد نفع نفسه فقط نهي عنه كالمال، وإن كان قد لا يأثم، كذا ذكره شيخنا، وظاهر كلام غيره خلافه كما هو ظاهر الأخبار) . ثم ساق ابن مفلح حديث ( ) أم سليم في طلبها من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء لأنس، وكثير من الصحابة الذين طلبوا الدعاء ( ) .
ويفهم من كلام ابن مفلح هذا أن هناك صورتان ثالثة وهي: أن يقصد بطلبه انتفاع الداعي فقط، فهذه الصورة نادرة الوقوع أو لا تقع مطلقًا؛ لأن من طبيعة البشر أيًا كان أنه لا يقوم بعمل إلا وله فيه غرض دنيوي أو أخروي ( ) .