5-ومن مظاهر غلوهم على الأولين أنهم يجعلون الولد إن عاش ملكًا للمقبور ثم يشترونه منه إن قدر أنه عاش بأثمان باهظة تصرف للنصابين على باب الضريح وفي بعض البلدان لا يحلقون شعر المولود إلا عند باب ضريح الشيخ الذي نذر له وربما يمكث المولود بشعره الذي ولد به سنوات إذا لم يتمكن الوالد من توفير المال اللازم لشراء الولد من الولي المنذور له.
وإن كان المولود بنتًا يقسم مهرها للولي.
وهذه الأمور قد فشت في هذه الأمة وموجودة فعلًا في نواح كثيرة منها وأنا أعرف ذلك وقد عايشت تلك الأمور وعرفتها عن كثب وقرب ولكن لا بأس بالاستشهاد ببعض كلام الثقات في هذا الموضوع الذي قد يظن بعض من لم يعايش ذلك أنه مبالغة وتهويل.
ومن العلماء الذين أخبروا عن ذلك الأمير الصنعاني فإنه ذكر استغاثة القبوريين بأوليائهم وطلبهم منهم ما لا يطلب إلا من الله ثم قال: [بل أعجب من هذا أن القبوريين وغيرهم من الأحياء من أتباع من يعتقدون فيه قد يجعلون له حصة من الولد إن عاش ويشترون منه الحمل في بطن أمه ليعيش لهم ويأتون بمنكرات ما بلغ إليها المشركون الأوائل] .
ثم ذكر من أتى بنصف مهر ابنته إلى من يتولى قبض أموال النذور ثم قال: [وهذا شيء ما بلغ إليه عُباد الأصنام وهو داخل تحت قول الله تعالى: (( وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ) )[النحل:56] ، بلا شك ولا ريب] ( ) .
وذكر نحو هذا أيضًا الشوكاني ( ) والنعمي ( ) رحمهما الله تعالى.
6-ومن غلوهم أنهم يستشفعون بالله ورسوله على مدعويهم نحو البدوي ويقول أحدهم مخاطبًا البدوي سقت عليك الله ورسوله أو توسلت إليك بالله ورسوله، وهذا ما لم يصل إليه المشركون الأوائل ( ) .
فتبين مما سبق: أن المتأخرين وصلوا إلى مرحلة لم يصل إليها الأوائل وبهذا يستحقون الأوصاف التي ذكرها الله تعالى للمشركين وهم أحق بها منهم لأن المشركين الأوائل من هذه الحيثيثة (أصح عقولًا وأخف شركًا من هؤلاء) ( ) .