الآثار الواردة في ذلك:
وقد حذر السلف الصالح من الابتداع في الدعاء عندما ظهر ما يمكن عده بداية انحراف عن الدعاء المشروع وذلك في أواخر عهد الصحابة.
ومن ذلك ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما فيما أوصى به مولاه عكرمة، فإنه قال لعكرمة: [[حَدّثِ الناسَ كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرات.. إلى أن قال: فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلاّ ذلك الاجتنابَ] ] ( ) .
فهذا يدل على أن ابن عباس رضي الله عنهما ما كان ينهى عكرمة إلا عن أمر كان يوجد عند الناس ولو بصورة نادرة.
ولكن يحتمل أن يقال: إن هذا ليس نهيًا عن الأمر الواقع، ولكنه فَهمٌ فهمه ابن عباس من تتبع أدعية النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فلم يجد فيها السجع المتكلف فخاف أن يقوله عكرمة فنهاه، أو أنه فهم من نحو قوله صلى الله عليه وسلم: {سيأتي أقوام يعتدون في الدعاء} أن السجع في الدعاء سيقع فنهاه عنه.
ولكن هاك نص آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما أصرح من هذا النص في المطلوب وهو ما ذكره أبو سليمان الخطابي رحمه الله عندما ذكر غلط كثير من الناس في مثل قولهم: يا رب طه ويس ويا رب القرآن العظيم، قال: (وأول من أنكر ذلك ابن عباس رحمه الله) ( ) فهذا الأثر إن ثبت دليل على بداية الانحراف في الأدعية وابتداع كلمات غير واردة في الكتاب والسنة في أواخر القرن الأول لأن ابن عباس توفي في الثلث الأخير من القرن الأول عام (68هـ) .
ويؤيد وقوع ذلك ما روي عن عروة بن الزبير أحد فقهاء السبعة وكبار التابعين أنه كان إذا عرض عليه دعاء فيه سجع عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه قال: كذبوا لم يكن وسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه سجاعين ( ) .
ويدل أثر ابن مسعود وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما على أن الابتداع في باب الذكر والدعاء قد حصل في عهد مبكر إذ وفاة ابن مسعود سنة (32هـ) .