الصفحة 44 من 748

ففي هذه الآية"وضع عبادتي موضع دعائي" ( ) ، فإنه لو قيل: إن الذين يستكبرون عن دعائي لاستقام المعنى.

(( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ) ) [الأحقاف:5] (( وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) ) [الأحقاف:6] .

فهذه الاستعمالات بهذه الأساليب المتنوعة والمتكررة في عدة آيات، تدل على أن معناهما واحد في هذه التراكيب، وأن مفهومهما متحد، أو أنهما متقاربان ومشتركان في المعنى. وليس معنى هذا أن كلمة الدعاء قد أنمحت دلالتها على السؤال والطلب، ولا تدل إلا على معنىا لعبادة، كما يظنه بعض الذين يجيزون سؤال غير الله، بل هي تدل على معنى السؤال والطلب إما تضمنًا أو استلزامًا، ولا ينفك أحدهما عن الآخر، بل هما متلازمان كما سيأتي.

فتحصل مما تقدم أن النسبة بين العبادة والدعاء الترادف والتوافق، هذا إذا افترقا، وأما إذا اجتمعا فقد يفرق بين معنييهما، وذلك بأن يراد من الدعاء دعاء المسألة، ويراد بالعبادة امتثال الأوامر واجتناب المناهي، وإلى هذا المعنى أشار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله:"فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه، ولكن إذا جمع بينهما فإنه يراد بالسائل الذي يطلب جلب المنفعة، ودفع المضرة، بصيغ السؤال والطلب، ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغ سؤال" ( ) . فاتضح بهذا أنهما ليسا في كل الأساليب متحدين في المفهوم بل لكل واحد منهما مفهومه الخاص، وذلك عند الاجتماع، وأما عند الافتراق والتجرد فيتناول مفهوم أحدهما الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت