فهذا غاية تخصيص اللفظ، وقصره على بعض موضوعه؛ ولهذا لا يوجب نقلًا ولا خروجًا عن موضوعه الأصلي والله أعلم" ( ) . وإنما هو مجرد تصرف في استعمالات اللفظ، ولا مانع من ذلك إطلاقًا، لا في اللغة ولا في اصطلاح الشرع، إذ من المعلوم"أن الشارع يتصرف في اللغة تصرف أهل العرف، يستعمل اللفظ تارة فيما هو أعم من معناه في اللغة، وتارة فيما هو أخص" ( ) ."
النسبة بين الدعاء والصلاة:
إن النسبة بين الدعاء والصلاة تارة تكون العموم والخصوص المطلق، وتارة الترادف، فإذا أريد منها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تكون النسبة من باب العموم والخصوص المطلق، فإن الدعاء عام والصلاة خاصة، فإنها أحد نوعي دعاء المسألة.
قال ابن القيم رحمه الله:"ودعاء العبد وسؤاله من ربه نوعان:"
أحدهما: سؤاله حوائجه ومهماته، وما ينوبه في الليل والنهار، فهذا دعاء وسؤال، وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.
والثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه، ويزيد في تشريفه...
ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحبه، فالمصلي عليه صلى الله عليه وسلم قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محاب الله ورسوله، وآثر ذلك على طلبه حوائجه ومحابه هو" ( ) ."
فدل هذا الكلام على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أحد نوعي دعاء المسألة، فتكون النسبة بينهما من باب العموم والخصوص المطلق، ولكن ابن القيم نفسه أبدى إشكالًا في كون الصلاة بمعنى الدعاء، وذكر من وجوه الإشكال أن الدعاء يكون بالخير والشر، والصلاة لا تكون إلا في الخير، وأن الدعاء يتعدى باللام، والصلاة لا تتعدى إلا بعلى، والدعاء إذا تعدى بعلى يختلف عن معنى الصلاة؛ لأنه حينئذ في الشر، وأن فعل الدعاء يقتضي مدعوًا ومدعوًا له، نحو: دعوت الله لك بخير، والصلاة لا تقتضي ذلك لا تقول: صليت الله عليك ولا لك، فدل هذا على أنهما ليسا بمعنى واحد ( ) .