الصفحة 75 من 748

وأما إذا أريد بالدعاء دعاء العبادة، فإنه يدل على دعاء المسألة بطريق دلالة الالتزام ( ) ؛ وذلك لأن العابد لله تعالى كالذي يذكر الله مثلًا، فهو في الحقيقة سائل وإن كان لا يأتي بلفظ السؤال، كالذي يطوف على بعض الأبواب والأسواق ليدعو الناس يكون سائلًا وإن حذف لفظ السؤال ( ) . فالعابد لله سبحانه سائل لله تعالى، يسأله الفوز بالجنة، والنجاة من النار، فإنه يعبد الله خوفًا من عقابه، وطمعًا في رحمته، ولا يخلو العابد في قرارة نفسه من الخوف والرجاء، لا كما يزعمه بعض المتصوفة"إنه يعبد الله لا خوفًا من النار ولا طمعًا في الجنة، وإن هذا المقام نقص، وإنما الكمال في عبادة الله لذاته" ( ) وهذا باطل مخالف لنصوص الكتاب والسنة، ولواقع عباد الله الصالحين من الصحابة والتابعين وسلف هذه الامة.

ولهذا فالعبادة تستلزم السؤال والطلب، فإذا أريد من الدعاء دعاء العبادة فإنه يدل على دعاء المسألة استلزامًا.

فالعابد لابد أن يطلب غرضًا ما عاجلًا أو آجلًا، فلا يخلو في قرارة نفسه من رغبة أو رهبة.

وبما تقدم تبين أن نوعي الدعاء متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، فحيث ذكر أحدهما دخل معه الآخر، إما تضمنًا أو التزامًا، وبهذا التقرير يندفع ما يردده بعض المخالفين من أن الآيات الواردة في التحذير من دعاء غير الله المراد بها العبادة فقط، وليس المراد بها السؤال والطلب، فلا يدخل فيها طلب الشفاعة من الأموات، والتوسل بهم، بل ولا دعاؤهم والاستغاثة بهم، والهتاف باسمهم من مسافات بعيدة.. هكذا زعموا وأولوا كل الآيات التي فيها التحذير من دعاء غير الله تعالى بالعبادة.

ولم يقتصروا على هذا فقط، بل ضيقوا معنى العبادة حيث إن مفهومها عندهم لا يشمل إلا السجود والركوع ونحو ذلك، وأما الدعاء والاستغاثة، والنذر، والذبح، وما إلى ذلك فليست داخلة في العبادة، هكذا زعموا، وهذا الزعم الذي زعموه ستأتي مناقشته إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت