ويأتي هنا سؤال مهم جدًا، وهو أنه إذا كان المراد بالدعاء في الآيات التي ذكر فيها دعاء المشركين لأوثانهم العبادة المستلزمة للسؤال والطلب، فما هو السر؟ وما هي الحكمة في العدول في كلام الله تعالى الحكيم من العبادة إلى الدعاء؟ فهل هناك أسرار وحكم ونكات؟؟ فالجواب: إن المسلم لا بد له من أن يعتقد أن كلام الله تعالى له أسرار وفوائد وحكم، وهذا العدول لا بد أن يكون فيه سر، وإن كنا لا نستطيع الجزم بعين ذلك السر، وهذا هو معتقد المسلم الإجمالي، وأما تفصيلًا فقد يكون العالم يظهر له سر ما فيذكره بدون ادعاء أنه عين ما أراده الله من ذلك، فالجزم سوء أدب، فعلى هذا فنذكر بعض ما قاله العلماء في سر العدول عن التعبير بالعبادة إلى التعبير بالدعاء.
1-قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمهما الله بعد أن ذكر أن الدعاء عماد الدين قال:"وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة دالة على الطلب والمسألة، على اختلاف المطلوب والمسؤول، وكأن هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة في أكثر موارد القرآن والسنة"، ثم ذكر أنه يشهد لهذا حديث {أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة} وجواب ابن عيينة عن ذلك ( ) .
2-وقال الشيخ حسين بن مهدي النعمي رحمه الله بعد أن أورد سؤالًا: هل سجل الله تعالى على الوثنية بالسجود لغيره كما سجل بدعائهم غيره؟؟ قال:"وكأنه -والله أعلم- لما كان الدعاء هو العبادة أو مخها، والسجود إنما هو كأنه عبارة عن بعض معاني الدعاء، وهو المعنى الأشمل الأكمل في هذا الباب، كان قبلة القصد، وعمدة المنتحى، وقاعدة المرمى، ومع التأمل أيضًا كأن الدعاء بعض معاني السجود، وكأنهما أيضًا لتلاقي حاصلهما فرسا رهان" ( ) .