ويؤيد هذا الوجه ما ورد في معنى هذا الحديث من حديث أنس مرفوعًا: {الدعاء مخ العبادة} ( ) فمخ الشيء خالصة ولبه، ووجه تخصيص الدعاء بذلك:"أنه لما كان المخ من أعضاء الحيوان هو المغذي لها، والمقوم لاستدامة بقائها؛ شبه الدعاء به؛ لأنه يعمل هذا العمل، وذلك لأنه يشتمل على حضور قلبي لا يوجد في غيره، فهو يستدعي مزيد حضور في قلب الداعي" ( ) .
فالحصر على هذا الوجه حصر إضافي وليس حقيقيًا فكأن العبادات الأخرى ليست عبادة فهو لكماله المطلق، وكونه غاية في التذلل والخضوع صار كأنه الوحيد في استحقاق هذا الاسم وأن غيره لا يطلق عليه هذا الاسم، فهو الفرد الكامل من أنواع العبادات، ومن هنا استدل بهذا الحديث القائلون بأفضلية الدعاء المطلقة على سائر أنواع العبادات.
الوجه الثاني:
أن الغرض من العبادة طلب الثواب عليها، وهذا هو المطلوب ( ) بالدعاء أيضًا، فكل من العبادة والدعاء طلب، فالداعي دعاء المسألة يطلب جلب منفعة أو دفع مضرة، والعابد كذلك يطلب جلب الثواب ودفع العقاب، فالغرض منهما شيء واحد، وقد تقدم بيان تضمن كل منهما للطلب.
فعلى هذا فالحصر حقيقي، فجميع أنواع العبادات هي دعاء لله تعالى، وسؤال له لمرضاته وجناته، وللنجاة من غضبه وعقابه.
الوجه الثالث:
أن العبادة في الحديث على معناها اللغوي الذي هو التذلل والخضوع. فمعنى {الدعاء هو العبادة} : أن الدعاء الذي هو طلب قضاء حوائج من الله تعالى: هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله تعالى، والاستكانة له، وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه ( ) .
الوجه الرابع:
أن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب؛ لأنه إظهار العبد العجز والاحتياج من نفسه، والاعتراف بأن الله تعالى قادر على إجابته، كريم لا بخل له ولا فقر، ولا احتياج له إلى شيء حتى يدخره لنفسه ويمنعه من عباده، وهذه الأشياء هي العبادة، بل مخها ( ) .
الوجه الخامس: