فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 75

قلت لها: رجل غريب. قالت: سبحان الله فهل تجد مع سيدك وحشة الغربة وهو مؤنس الغرباء ومحدث الفقراء.

قال فبكيت فقالت: أولا يبكي العليل إذا وجد طعم العافية؟ قلت: فلم؟ قلت: لأنه ما خدم القلب خادم هو أحب إليه من البكاء، ولا خدم البكاء خادم هو أحب إليه من الزفير والشهيق في البكاء.

قلت لها: علميني رحمك الله فإني أراك حكيمة. فأنشأت وهي تقول:

دنيا غرارة فدعها ... فإنها مركب جموح

دون بلوغ الجهول منها ... منيته نفسه تطيح

لا تركب الشر واجتنبه ... فإنه فاحش قبيح

والخير فاقدم عليه ترشد ... فإنه واسع فسيح

فقلت لها: زيديني رحمك الله. فقالت: سبحان الله أو ما كان في موقفنا هذا ما أغناك من الفوائد، عن طلب الزوائد.

قال: قلت: لا غنى بي، عن طلب الزوائد قالت: حب ربك شوقًا إلى لقائه فإن له يومًا يتجلى فيه لأوليائه. [1]

امرأة تبحث عن علاج

روي عن أحمد بن أبي الحواري- وكان رجل صالح- أنه قال:

بينما أنا في بلاد الشام في قبة من قباب المقابر ليس عليها باب إلا كساء قد أسبلته، فإذا أنا بامرأة تدق على الحائط، فقلت: من هذا؟

قالت: امرأة ضالة فدلني على الطريق رحمك الله.

قلت: رحمك الله على أي الطريق تسألين؟

فبكت ثم قالت: يا أحمد على طريق النجاة. قلت: هيهات إن بيننا وبين طريق النجاة عقابًا، وتلك العقاب لا تقطع إلا بالسير الحثيث، وتصحيح المعاملة، وحذف العلائق الشاغلة عن أمر الدنيا والآخرة قال: فبكت بكاءً شديدًا ثم قالت:

يا أحمد سبحان من أمسك عليك جوارحك فلم تتقطع، وحفظ عليك فؤادك فلم يتصدع، ثم خرت مغشيًا عليها، فقلت لبعض النساء: انظري أي شيء حال هذه الجارية؟

قال أحمد: فقمن إليها ففتشنها فإذا وصيتها في جيبها كفنوني في أثوابي هذه فإن كان لي عند الله خير فهو أسعد لي، وإن كان غير ذلك فبعدًا لنفسي، قلت: ما هي؟

(1) -حلية الأولياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت