الصفحة 65 من 88

فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ [1] فِيهَا منْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَاسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا؟ مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقِ انْطَلِقْ!

فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلَا أَحْسَنَ. قَالَ: قَالَا لِي: ارْقَ فِيهَا! فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا، فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ؛ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالَ: قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ. قَالَ: وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي، كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ [2] فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا؛ قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ. ... [فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ] قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ.

قَالَ: فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا [3] ؛ فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ [4] الْبَيْضَاءِ.

قَالَ: قَالَا لِي: هَذَا مَنْزِلُكَ. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا؛ ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ. قَالَا: أَمَّا الْآنَ؛ فَلَا، وَأَنْتَ دَاخِلَهُ.

(1) معتمة: كثيرة النبت غطاها الخصب.

(2) المحض: اللبن الخالص الذي لا شائبة فيه.

(3) صعدا: صاعدا في ارتفاع كثير.

(4) الربابة: السحابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت