ورجاحة العقل وسعة الإدراك .. نظل قاصرين أن نفهم الحكمة الإلهية على وجهها الأكمل وأن نحيط علما بمشيئة الله وأمره ونهيه، وكثيرا ما أرشدنا الله إلى ذلك حيث يقول {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} (الإسراء:85) ويقول أيضا سبحانه {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة:216) ولذلك وجب التسليم لأمر الله ومشيئته واعتقاد أن حكمته فوق كل حكمة وأن علمه فوق كل علم وأنه سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
ولا يعني هذا بالطبع أن ندرك بعض حكم الله سبحانه وتعالى في الخلق والتشريع والأمر والنهي بل الله جل وعلا قد بين الغايات الكلية والمقاصد العامة لخلقه وتشريعه، وقد بين أيضا سبحانه وتعالى بوجه عام الحكمة من وراء معظم التشريعات وذلك ليزداد المؤمنون إيمانا ويصلوا إلى اليقين بأن الرب العظيم هو المتصف بالعلم المحيط، والحكمة البالغة.
ونستطيع أن نجمل المقاصد العامة للشريعة الإسلامية المطهرة فيما يأتي:
أولًا: التعبد غاية الشريعة:
وذلك أن الله لم يخلق الخلق إلا ليعبد ويعرف سبحانه بأسمائه وصفائه. فالله جل وعلا وإن كان هو المحمود لذاته، والذي لا يحيط أحد علما به إلا هو، ولا يثني أحد عليه كما أثنى هو سبحانه على نفسه، فإنه مع ذلك خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ونعني بالخلق كل مخلوق سواء من الملائكة أو من الجن أو من الإنس أو الجمادات أو غير ذلك. قال تعالى في شأن الملائكة وأنهم عباده وليسوا أولاده كما زعم المشركون {وقالوا اتخذ الله ولدا بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} (الأنبياء:26) الآية فأخبر سبحانه أنهم عباده وأنهم ليسوا أولاده. وقال في الجن والإنس والسبب في خلقهم {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} (الذاريات:56) .
ولا يخفى أن الله سبحانه ليس بحاجة إلى هذه العبادة لأنه المحمود بذاته الذي حمد نفسه وأثنى عليها ولا يستطيع أحد أن يقدر قدره ويعلم مقدار عظمته وسلطانه وعلو شأنه إلا الرب سبحانه وتعالى. ولا شك أنه بذلك الغني عن كل خلقه الذي لا تنفعه عبادتهم، ولا تضره معصيتهم كما قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: [يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني .. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا] (رواه مسلم) .