فهرس الكتاب
قرأت هذه الترجمة، فبهرتني، ورأيت نماذج من خط ذلك الخطاط فرأيته آيةً في الإبداع، فأوحى لي ذلك بهذه الخاطرة، ألا وهي أن التعلل بالمعاذير، والتماس المسوغات من أعظم الأسباب التي نعلق عليها إخفاقنا، ونسوغ بها أخطاءنا، وعجزنا، وقعودنا.
وكثيرًا ماتكون تلك المعاذير،والمسوغات مجرد أوهام لاحقيقة تحتها، فلا تزال تلك الأوهام تكبر شيئًا فشيئًا حتى تكون لنا سدًا منيعًا، حجارتُه سوءُ الظن أحيانًا، وتخذيلُ النفس أحيانًا، والشك في النتائج والخوف من الإخفاق أحايين أخر.
وقد تكون تلك المعاذير حقيقة، كحال من يتعلل بقلة الذكاء، أوعدم النبوغ، وكحال من يتعلل بسوء الحظ، وقلة التوفيق، وبأن الظروف لم تُواتِه، ولم تأت على وَفْقِ ما يريد، وكحال من يتعلل بتربيته الأولى، وأنه قد قُصِّر فيها، فلم يُوَجَّهِ الوِجهةَ الصحيحة؛ فأخفق، ولم يعد قادرًا على استدراك ما فات.
وكحال من يتعلل بالبيئة التي يعيش فيها، أو الصحبة التي ابتلي بها، وكحال من يتعلل بكبر سنه، أو بمرضه، وضعف قواه، وقلة تحمله؛ فيسوغ بذلك قعوده وعجزه؛ فمثل تلك الأعذار والأعاليل قد تكون سببًا حقيقيًا لدنو الهمة؛ إلا أنه لا يليق بالعاقل أن يستسلم لها، أو أن يسترسل معها؛ فمهما يكن من شيء فإن الفرصة متاحة، وإن الباب لمفتوح على مصراعيه لمن أراد المعالي وسعى لها سعيها.
فالإنسان _بتوفيق الله، ثم بعزمه، وهمته، وتربيته لنفسه_ قادر على التغلب على كثير من العقبات والصعاب.
وما الصعاب في هذه الحياة إلا أمور نسبية؛ فكل شيءٍ صعب جدًا عند النفوس الصغيرة جدًا، ولا صعوبة عظيمة عند النفس العظيمة؛ فبينما النفس العظيمة تزداد عظمة بمغالبة الصعاب إذا بالنفوس الهزيلة تزداد سقمًا بالفرار منها.
وإنما الصعاب كالكلب العقور؛ إذا رآك خفت منه وجريت نَبَحَك، وعدا وراءك،وإذا رآك تهزأ به، ولا تعيره اهتمامًا أفسح الطريق لك، وانكمش في جلده منك.