فهرس الكتاب
أما معاناةُ التأليف فمن وجوهٍ كثيرةٍ منها: كدُّ الذهن، ومعالجةُ العزو، والتأكد من صحة المعلومة، وكثرةُ المراجعة، والحذرُ من الزلل، والحرص على إبراز الأفكار في معرض حسن، وثوب مقبول.
ومنها ما يعتري المؤلف من الملل، والفتور، وصداع الرأس، وقلة النوم، وتعب الأعصاب، وآلام المفاصل والعينين، والانقطاع عن كثير من الملذات، والتقصير في بعض الحقوق؛ فهذه بعض معاناة التأليف.
أما لذته فَتَكْمُن بمناجاة الفكر، واصطياد الأوابد، ومعرفة أقدار المؤلفين السابقين واللاحقين، والتعود على طول النفس، والحرص على الوصول إلى الحقائق.
ومن أعظم لذات التأليف: استشعارُ نهايةِ البحث، والفرحُ بطبعه، ونشرِه، وإهدائه، وانتفاعِ الناسِ به؛ فإن نفع التصنيف _ كما يقول ابن الجوزي _ أكثر من نفع التعليم بالمشافهة؛ لأن الإنسان يشافه في عمره عددًا من المتعلمين، ويشافه بتصنيفه خلقًا لا يحصون، وخلقًا لم يوجدوا بَعْدُ؛ فيكون التأليف من الباقيات الصالحات.
وإن لانتظار مجيء الكتاب من المطبعة فرحةً تشبه فرحة انتظار المولود الجديد.
وتكمن لذة التأليف _كذلك_ باستجماع الخواطر، والخلوة عن الناس، وإلى هذا أشار بعضهم بقوله:
وأطيب أوقاتي من الدهر خلوةٌ ... يقرّ بها قلبي ويصفو بها ذهني
ويأخذ لي من سَورة الفكر نشوةً ... فأخرج من فنّ وأدخل في فنّ
ويفهم ما قد قال عقلي تصوري ... فنقلي عن أذني وسمعي بها مني
وأسمع من نجوى الدفاتر طُرفةً ... أزيل بها همي وأجلو بها حزني
ينادمني قومٌ لديّ حديثهم ... فما غاب منهم غير شخصهم عني
هذا وإن من أعظم نعم الله على المؤلف أن يرى عند عزمه على التأليف أنه سهلٌ ميسور، وأنه لا تَمُرُّ عليه مدة وجيزة إلا أنجزه وأتمه؛ فإذا ما ابتدأ فيه تفتَّق ذهنه عن مسائل لم يحلم بها، وطرأت عليه أبحاث لم يكن يتخيلها، وإذ هو في واد متشعب يرى أنه لا بد له من سلوكه.