فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 161

وقد دلت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية، وهي بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة، وطرح ما مِنْ شأنِه إدخالُ الشك؛ لأنه إذا فتح هذا الباب عَسُرَ سَدُّه، وكما يَتَّهِمُ المتهمُ غيرَه فللغير أن يَتَّهِمَ مَنِ اتَّهمه، وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق؛ إذ قد أصبحت التهمة تُظِلُّ الصادق والمنافق، وانظر معاملة النبي"المنافقين معاملة المسلمين."

على أن هذا الدين سريع السريان في القلوب؛ فيكتفي أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة؛ إذ لا يلبثون أن يألفوه، وتخالط بشاشته قلوبهم؛ فهم يقتحمونه على شك وتردد فيصير إيمانًا راسخًا، ومما يعين على ذلك ثقة السابقين فيه باللاحقين بهم.

ومن أجل ذلك أعاد الله الأمر فقال [فََتَبَيَّنُوا] تأكيدًا لـ [تَبَيَّنُوا] المذكور قبله، وذيَّله بقوله [إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا] وهو يجمع وعيدًا ووعدًا+.

كان الحديث عن السياسة لا يخوض فيه إلا فئة من المتخصصين أو المثقفين.

أما في عصرنا هذا عصر الإعلام فصار التحليلات السياسية كلأً مباحًا، فكل يُغَنِّي على ليلاه، وكل يهرف بما يعرف وما لا يعرف؛ فما يمر الحدث _وما أكثر الأحداث_ إلا وتسمع التحليلات تلو التحليلات.

وترى الأنظار تجاه ذلك الحدث تتباين؛ فهذا يرى بأن ما يجري إنما هو مؤامرة، وذاك يرى بأنه مناورة، وثالث يقول: بأن وراء الأكمة ما وراءها، ورابع يكتفي بالنظر القريب، وببادئ الرأي وأول النظر.

وقد قيل: إن السياسي هو الذي يتوقع حدثًا، أو يُحلل حدثًا بشرط أن يكون لديه التعليل الكافي إذا وقع الأمر بخلاف ما ارتآه.

وعلى كل حال فإن التحليل الأول للحدث هو ما يُرى، ويُشاهد، فهو بحد ذاته يعبر عما وراءه.

أما إذا صرنا نشك بأن وراء كل حدث مؤامرة، أو مناورة _ فإننا بذلك لن نصل إلى أي حقيقة، وستبقى الأمور عائمة، أو تكون الحقيقة نسبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت