فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 161

ذلك أن الإنسان قد مرَّ ببعض تلك الأطوار حال طفولته، أو دراسته، أو غفلته؛ فتراه إذا تذكَّر تلك الأيام السالفة، وما جرى فيها مما يُنكره حال اكتمال عقله _ تراه يُكبِر من كان يُحسن التعامل معه في تلك الأيام، ولا يروقه إلا ذاك المربي الحكيم الحليم الذي يتغاضى، ويَتَحَلَّم عن تلك الزلات التي يَعزُّ التخلص منها، والتي لا تصدر _في الغالب_ عن عناد، أو سوء طويَّة.

فإذا كان الأمر كذلك:

فلا تغضبنْ من سيرة أنت سرتَها ... فأول راضٍ سنةً من يسيرها

وقد وجدت أن القرآن الكريم قد أشار إلى هذا المعنى الجليل بألطف إشارة، وأجمل عبارة.

قال الله _عز وجل_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا] النساء:94.

وقد أبدع العلامة الشيخ ابن عاشور في الوقوف عند قوله _عز وجل_: [كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ] في تفسيره التحرير والتنوير 5/168_169.

فقال ×: = أي كنتم كفارًا، فدخلتم الإسلام بكلمة الإسلام؛ فلو أن أحدًا أبى أن يُصَدِّقكم في إسلامكم أكان يرضيكم ذلك.

وهذه تربية عظيمة، وهي أن يستشعر الإنسان عند مؤاخذته غيره أحوالًا كان هو عليها تساوي أحوال من يؤاخذه، كمؤاخذة المعلم التلميذ بسوء إذا لم يقصر في إعمال جهده.

وكذلك هي عظة لمن يمتحنون طلبة العلم؛ فيعتادون التشديدَ عليهم، وتَطَلُّبَ عثراتهم، وكذلك ولاة الأمور وكبار الموظفين في معاملة من لنظرهم من صغار الموظفين، وكذلك الآباء مع أبنائهم إذا بلغت بهم الحماقةُ أن ينتهروهم على اللعب المعتاد، أو على الضجر من الآلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت