فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 161

أتصحو أم فؤادُك غير صاحِ ... عَشِيَّةَ همَّ صحبُك بالرواح

قال له عبدُالملك: بل أنت فؤادك غير صاح.

وكان جريرٌ يَقْصِدُ نفسَه؛ حيث جرد منها ذاتًا أخرى، غير أن عبدالملك _وهو البصير النقَّادة الخبير_ أراد أن يلفت نظر جرير، وينبهه إلى سوء مطلعه.

ولما وصل جرير إلى قوله:

ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح

تهلل وجه عبدالملك، وبلغ به الارتياح إلى أن أمر لجرير بعطاء جزل قوامه مائة ناقة وزيادة.

ومن هذا القبيل ما عابوه على قول من قال في ممدوح له يجتديه:

فرشني بسيب لا أكونن ومدحتي ... كناحت يومًا صخرة بعسيل [1]

فمثل هذه السِّيَر ترشد السائل في مسائل العلم وغيرها، وترشد طالب الحاجة سواء كانت له أو لغيره، وسواء كانت في أمور خاصة أو عامة _ إلى أن يحسن العرض، ويتلطف في الطلب دون تكلف، أو تملُّق؛ فذلك أحرى لنيل بغيته، وإجابة طَلِبَتِه.

كنت كثيرًا ما أحاول إقناع نفسي وغيري ممن أخالطهم ألا يبالغوا في الانزعاج من الأمور الصغيرة، والأخطاء غير المقصودة التي تتكرر من الطلاب، والأولاد الصغار، ومن بعض العوام، والعصاةِ، وناقصي المدارك.

ولا أعني بذلك أن يترك حبلهم على غاربهم دون توجيه أو إرشاد.

وإنما المقصود ألا يبالغ في التثريب عليهم.

وكنت أُكْبِرُ من يتغاضى، أو يُحسن التعامل مع تلك الفلتات والهِنَاتِ التي تصدر ممن مضى ذكرهم.

(1) _ معنى قوله: (فرشني) : أي أعطني، وقوله: (بسيب) : أي بعطاء، وقوله: (بعسيل) : العسيل ريشة المكحلة.

ومعنى البيت: أعطني عطاءً، ولا تجعلني كمن يبري صخرة صماء بريشة مكحلة؛ فمثل هذا لا يحصل على شيء.

وهذا البيت في غاية الجفاء وسوء الطَّلِبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت