فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 161

وجاء في سيرة وزير الأندلس محمد بن الخطيب السلماني أنه قال عند سفارته من ملك غرناطة إلى ملك المغرب ابن عنان أبياته المشهورة التي ارتجلها عند الدخول إليه، والتي يقول طالعها:

خليفةَ اللهِ ساعَدَ القدرُ ... عُلاك ما لاح في الدُّجا قَمَرُ

ثم قال:

والناس طُرًَّا [1] بأرض أندلسٍ ... لولاك ما وطنوا وما عَمَروا

وقد أَهَمتْهُمْ نفوسُهُمُ ... فوجهوني إليك وانتظروا

فقال له ابن عنان: =ما ترجع إليهم إلا بجميع مطالبهم+.

وأذن له بالجلوس؛ فسلَّم عليه.

قال القاضي أبو القاسم الشريف قاضي غرناطة المتوفى سنة 760 _وكان من جملة الوفد_: =لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا+.

وجاء في سيرة القاضي أبي البركات التلمساني أنه لما عزم على الرحلة من المغرب إلى المشرق لما ضاق عليه العيش _ كتب إليه ابن خاتمة بالأبيات التالية:

أشمسَ الغربِ حقًا ما سمعنا ... بأنك قد سَئِمتَ من الإقامة

وأنك قد عزمتَ على طلوع ... إلى شرقٍ سموتَ به علامة

لقد زلزلتَ منا كلَّ قلبٍ ... بحق الله لا تُقِمِ القيامة

فحلف أبو البركاتِ ألا يرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا.

فتلك القصص، وغيرها كثير في كتب السير _ مما يؤكد صحة المقولة التي أطلقها الأوائل: =حسن طلب الحاجة نصف العلم+.

وكلما تقدم الإنسانُ في العمر، وتقلَّب في المشاهدات، ومجاري الأحداث _ رأى صحةَ تلك المقولة؛ فتجد من الناس من يحسن السؤال والطلب والعرض؛ فيجاب عن سؤاله، وتُلبى له طَلِبته، ويُشكر له حُسْنُ عرضه، أو يُعْتَذَر له اعتذارٌ يليق به، خصوصًا إذا صادف ذلك الحُسْنُ محلًا قابلًا، وواديًا ذا زرع.

ولقد كان الأكابرُ والعظماء يقدرون مَنْ يرعى هذا الجانب _كما مر_.

كما كانوا يعيبون مَنْ يُقَصِّر في هذا، ويعدُّونه زرايةً به، ومنقصةً في حقه.

ولهذا لما انتجع جريرٌ عبدَالملكِ بنَ مروانَ بقصيدتِهِ المشهورةِ التي يقول مطلعها:

(1) _ طُرًَّا: يعني جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت