فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 161

ولست مبالغًا إن قلت: إنه يقضي الساعات الطوال، ويسهر غالب الليالي بالاشتغال في المطالعة والكتابة، لا يسأل عن أكل ولا شرب، ولا يصغي لحديث أو خبر، ولا تجد الراحةُ إلى جسمه سبيلًا، قد يعتريه الملل، وتتعب أعصابه، وهو مع ذلك يتطلب برهانًا، ويستنبط دليلًا، وقد يريد النوم؛ فيمتنع عليه؛ لشدة تعبه المتواصل؛ لإتمام ما لديه؛ فهو لذلك قد يكون مقصرًا عن زيارات إخوانه وأحبائه؛ فإنه من لا يؤدي حقوق نفسه كيف يؤدي حقوق غيره؟

وهو في ذلك معذور مأجور، وفي عمله مغبوط مشكور.

مسكين المؤلف، يشغل حواسه الخمس، ويصل يومه بالأمس؛ ليريح طلاب العلم والفنون، ولأن يصل في بحثه إلى نتيجة مرضية، وخلاصة شافية، وأجوبة سديدة أحبُّ إليه من الدنيا وما فيها، وأشدُّ ما يكون فرحًا إذا ما اهتدى إلى حلّ مسألة عويصة كانت مستعصية عليه، أو أتى ببحث لم يسبقه إليه أحد.

أما ثوابه على عمله وجزاؤه فهذا موكول إلى الله _عز شأنه_ فهو الذي لا يَضيع عنده عَمَلُ عاملٍ من ذكر أو أنثى، على أنه _سبحانه وتعالى_ قد رفع ذكر العلماء، وأعلى شأنهم في الدارين، وحفظهم من التخريف مهما عمروا، وتقدموا في سن الشيخوخة.

وأما تقديره ومكافأته في المجتمع الإنساني فهذا راجع إلى الوسط الذي يعيش فيه، وإلى القوم الذين ينتمي إليهم؛ فعلى قدر مكانتهم في العلم والأدب، وثقافتهم في مختلف الفنون، وخلوّهم من المكر والحسد يكون تقديرهم لمنزلته، ومعرفته لمكانته، وأكثر المؤلفين لا يظهر فضلهم إلا بعد الممات.

هذه بعض حالات المشتغلين بالتأليف =ولا ينبئك مثل خبير+.

لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها+. ... ا_هـ

وبعد: فهذه معاناة التأليف، وتلك لذته، وستنقضي المعاناة واللذة بانقضاء عمر المؤلف، وبعد ذلك يكون له الغُنْم، أو عليه الغُرْم؛ فنسأل الله أن يجعل ما نكتب حجة لنا لا علينا، وأن ينفع به، ويجعله خالصًا لوجهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت