فهرس الكتاب
وعلى ذلك يحمل كل ما جاء من الوصايا والحكم التي توصي باطراح المبالاة بكلام الناس، وبألا يجعل الإنسان مراقبتهم، والحذر من لمزهم حائلًا بينه وبين تحقيق مآربه النافعة له، ولأمته، ووطنه.
قال بشار بن برد:
من راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيباتِ الفاتكُ اللَّهِجُ
وقال سَلْم الخاسر:
من راقب الناس مات همًَّا ... وفاز باللذة الجسور
وقال ابن حزم × في الأخلاق والسير: =العقل والراحة هو اطراح المبالاة بكلام الناس، واستعمال المبالاة بكلام الخالق _عز وجل_ بل هذا هو باب العقل والراحة كلها+.
ولا يعني اطراح المبالاة بكلام الناس أن يتقصد المرء مخالفة الناس أو أن يعمد إلى مخاشنتهم، والإغلاظ عليهم؛ لأن الحكمة _كما مر_ تقتضي مداراة الناس، ومعرفة أحوالهم، وإنزالهم منازلهم؛ فالحكيم الحازم العاقل يزن عقول من يلاقونه، ويحس ما تكن صدورهم، وتنزع إليه نفوسهم، فيصاحبهم وهو على بصيرة مما وراء ألسنتهم من عقول، وسرائر، وعواطف، فيتيسر له أن يسايرهم إلاَّ أن ينحرفوا عن الرشد، ويتحامى ما يؤلمهم إلاَّ أن يتألموا من صوت الحق.
فإذا قام المرء بما تقتضيه الحكمة _ فليقدم على ما قصد إليه دونما التفات أو مبالاة بكلام أحد؛ فلا لوم ولا تثريب عليه حينئذ.
ولا ريب أن توطين النفس على هذا الأمر يحتاج إلى دَرَبَة، وتمرين، وصبر.
ومن خير من أشار إلى هذا المعنى اللطيف الأستاذ محمد كرد علي 1293_1372هـ × في مذكراته، حيث أبدى وأعاد فيه وذكر عددًا من الوصايا التي أوصاه بها شيخه الشيخ طاهر الجزائري 1268_1338هـ × والتي تدور حول هذا المعنى، وإليك طرفًا من ذلك.
يقول الأستاذ محمد كرد علي: =النقد شيء, والطعن شيء آخر, وقلَّ أن رأيت أحدًا من المنورين اتسع صدره لنقد الناقدين, ومن هنا جاء إمساك النقاد على النقد النافع؛ لئلا ينزعج المنتقد عليه, ويتخذ من ناقده عدوًا له+.