فهرس الكتاب
والذي يفيد في هذا الشأن أن يعَوِّد الإنسان نفسه على قوة الاحتمال، وترك الانزعاج العظيم للشيء الحقير، وأن يدربها على اكتساب تلك الخصال حتى تصبح ملكة في النفس أو تزيد ثباتًا ورسوخًا إذا كان ذلك من طبعها؛ فإذا كان الصانع يكتسب مهارته بالتمرين، والموظف يتقن عمله بالتمرين، والأخلاق الفاضلة أو المرذولة حسب الاستعداد والتمرين_ فكذلك الشأن في مقابلة الحياة بالحزن والألم، أو الابتهاج والسرور.
والنفس _بطبعها_ تهوى الثناء ولو كان بالباطل، وتنفر من النقد ولو كان بالحق، وترغب في الإخلاد إلى الراحة، وتهرب من الجد والعمل.
ولكنها _ بالتمرين، والنظر بالعواقب _ تألف ما يخالف هواها ولو كان لذيذًا، وتنزع إلى ما فيه مصلحتها في الآجل ولو كان مرًا، وتحتمل ما يصيبها مما لا بد منه من الأذى.
ومن أجمل ما يعبر عن هذا المعنى قول موسى بن عبدالله بن علي بن أبي طالب:
إذا أنا لم أقبَلْ من الدهر كلَّ ما ... تكرَّهتُ منه طال عَتْبي على الدهرِ
إلى الله كلُّ الأمر في الخلق كلهم ... وليس إلى المخلوق شيءٌ من الأمرِ
تعودْتُ مَسَّ الضرِّ حتى أَلِفْتُهُ ... وأسلمني طولُ البلاء إلى الصبر
ووسَّع صدري للأذى الأنسُ بالأذى ... وإن كنت أحيانًا يضيقُ به صدري
وصيَّرني يَأسي من الناس راجيًا ... لسرْعةِ لطف الله من حيثُ لا أدري
حدثني الشيخ محمد الموسى _مدير مكتب بيت سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز ×_ أن سماحة الشيخ دخل المستشفى في يوم من الأيام لعارض عرض له، وقال: إن سماحة الشيخ قال: =إنني أول يوم دخلت فيه المستشفى جلست وحدي بعد الفجر فطال علي الوقت، وصار عندي ملل؛ لرغبته في الدرس والقراءة.
يقول: فجعلت أقرأ ما تيسر من القرآن، وأتذكر محفوظاتي من السُّنَّة، ومن ألفية ابن مالك، ومن غير ذلك+.
ولما اتصل عليه بعض المسؤولين في رئاسة الإفتاء، قال سماحة الشيخ: =هاتوا ما عندكم من المعاملات والكتب+ فلما قيل له: نريدك أن ترتاح.