فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 161

أما إذا كانت الأخرى؛ حيث يجعل المنصب حِبَالَةً لأغراضه الخاصة، بحيث لا يتعدى نفعه إلى غيره، ولا تعنيه المصلحة العامة بحال من الأحوال _ فلا يلومن إلا نفسه إذا لقي الكنود والصدود من الناس.

ثم إن رحمة الله واسعة لمن أراد أن يستدرك ما فرط منه بالتوبة، والأوبة، وإصلاح ما أفسد بقدر المستطاع، وإن لم يستطع فإن عفو الله مأمول؛ فهو _عز وجل_ يتحمل التبعات، ويتجاوز عن السيئات.

وبالجملة فإنه يحسن بذي المروءة أن يلزم الاعتدال في حال ولايته وحال عزله؛ لأن الولاية قد تُحدث في الأخلاق تغيرًا، وعلى الخلطاء تنكرًا؛ إما من لؤم طبع، أو من ضيق صدر.

وكذلك العزل فإنه يسوء به الخلق _كما مر_ ويضيق به الصدر؛ إما لشدة أسف، أو لقلة صبر.

ولهذا قيل: =من تاه في ولايته ذل في عزله+.

وكان من مقومات صاحب المروءة ألا تطيش به الولاية في زهو، ولا ينزل به العزلُ في حسرة.

قال سالم بن قتيبة: =ما تكبر في ولاية إلا من كبرت عنه، ولا تواضع فيها إلا من كبر عنها+.

وقد كان للشافعي × صديق تولى إمرة بعض البلاد، فتغيرت عاداته عما كانت عليه، فكتب إليه الشافعي يقول:

اذْهَبْ فَوِدُّك من فؤادي طالقٌ ... أبدًا وليس طلاقَ ذاتِ البَيْنِ

فإذا ارعويت فإنها تطليقةٌ ... ويدوم ودُّك لي على ثنتين

وإذا رجعت شفعتُها بمثالها ... فتكون تطليقين في حيضين

ذ

وإذا الثلاث أَتَتْكَ مني بتةً ... لم تُغْن عنك ولاية السَيْبَيْنِ

قال يحيى بن الحكم: =والله لقد ولي الحجاج، وما عربي أحسن أدبًا منه، فطالت ولايته، فكان لا يسمع إلا ما يحب، فمات وإنه لأحمق سيء الأدب+.

قد يكون الإنسان _بطبعه_ قليل الصبر، كثير التشكي، لا يحتمل أدنى أذى.

وقد يُفْطَر الإنسان على الصبر، والجلد، وقوة النفس، وتحمل الأذى.

ومع ذلك فقد تخور قواه، ويضعف جلده؛ إذ إن هذه الطباع قد لا تكفي في مقابلة الصعاب، والتعامل مع حوادث الحياة المختلفة إذا لم يسعَ المرء في تقوية نفسه، والرقي بطباعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت