فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 161

وإذا صحب ذلك مرضٌ زاد بلاؤه، وتوالت أحزانه.

ولا ريب أن للعزل بعد الولاية، وخمولِ الذكر بعد الشهرة وبُعْدِ الصيت _ أثرَه البالغ في النفس، فلا يحتمل ذلك إلا من كان ذا همة عالية، ومروءة صادقة، ونظر في العواقب بعيد.

قال عبدالعزيز بن زرارة الكلابي ×:

كلًا بلوتُ فلا النعماء تبطرني ... ولا تخشعت من لأوائها جزعا

وقال ابن الجوزي ×: =من تلمح بحر الدنيا، وعلم كيف تتلقى الأمواج، وكيف يصبر على مدافعة الأيام _ لم يستهول نزول البلاء، ولم يفرح بعاجل رخاء+.

والذي تقتضيه الحكمة أن يوطن الإنسان نفسه على لزوم الاعتدال، وعلى حسن التعامل مع تلك الحال؛ بحيث يستحضر أن الأيام دول، وأن المنصب لو دام لغيره لم يصل إليه.

كما عليه ألا يستوحش من الوَحْدة، ولا يضيق ذرعًا بالفراغ، وإنما يبحث فيما يملأ فراغه من قراءة وكتابة، وتدوين خواطر وتجارب، وممارسة لبعض الرياضات التي تليق بحاله، وتعود عليه بالسرور، والصحة.

ومن ذلك أن يختار له صحبة فاضلة يختلف إليها، وتختلف إليه؛ ليتجاذب معها أطراف الحديث.

وإن خير ما يشغل فراغه، ويعود عليه بسعادة العاجلة والآجلة _ أن يَرْغَب إلى ربه _ جل وعلا _ بكثرة الذكر، والصلاة، وسائر القربات من صدقة، وبر، وصلة، وكثرة حج وعمرة، وأعمال خيرية ملائمة لحاله؛ فذلك هو العز بلا منصب، والغنى بلا مال، والسؤدد بلا عشيرة، ففي الله عوض عن كل شيء، وليس شيء عوضًا عنه _جل وعلا_.

هذا وإن مما يوصى من كان في منصب أن يبذل قصارى جهده في إتقان العمل، وإخلاص النية، وبذل الجاه والشفاعات فيما ينفع؛ فإذا كان كذلك ثم ترك العمل، أو عُزِل منه صارت حسناته وأياديه البيضاء تنمو، وتربو؛ فتتضاعف أجوره، ويتسلسل نفعه في حياته، وبعد مماته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت