فهرس الكتاب
وكذلك كرام الأسود وأشرافها يُتعلم منها الأنفة وعزة النفس؛ فهي لا تأكل إلاَّ من فريستها، وإذا مرت بفريسة غيرها لم تدن منها ولو جهدها الجوع [1] .
ومن جميل ما ينبغي على النابغة في هذا الشأن أن يفيد من تجارب الآخرين؛ فالحياة كلها تجارب، واستفادة من التجارب، وميزة إنسان على إنسان، وأمة على أمة هي القدرة على الاستفادة من التجارب وعدمها؛ فالحادثة تمر أمام جمع من الناس فيستفيد منها أحدهم بمقدار مائة، وآخر بمقدار خمسين، وثالث تمر منه الحادثة على عين بلهاء، فلا يستفيد منها شيئًا؛ فكم من الناس من لهم أعين ولكن لا يبصرون بها، وآذان ولكن لا يسمعون بها، وقلوب ولكن لا يعقلون بها.
والفرق بين من يستفيد من التجربة ومن لا يستفيد أن الأول يستطيع أن ينتهز الفرص في حينها، وأن يتجنب الخطر قبل وقوعه، على حين أن الثاني لا ينتهز فرصة، ولا يشعر بالخطر إلاَّ بعد وقوعه.
وحينما تقرأ كتب التاريخ تقرؤها؛ لتستفيد من أعمال الناس، وما وقع لهم، وما صدر منهم، وما كان من نتائج أعمالهم، وتقرأ سير العظماء؛ لتتشبه بهم، وتدرك مواضع عظمتهم [2] .
وأخيرًا هذه همسة في أذن الموهوب وهي ألا يكثر من لوم أساتذته، أو أهل بيته، أو زملائه ممن يرى أنهم قصروا في حقه، ولم يقدروه قدره، أو يرعوه حق رعايته؛ فهؤلاء لم يعلموا بأنك موهوب، أو نابغة حتى يرعوك.
وقد يكون لديهم ما يشغلهم عنك، أو يكونون ممن لا يعنيهم نبوغك من عدمه.
رأيت من كان في ولايته وهو ملء السمع والبصر، لا تكاد تحظى منه بكلمة فضلًا عن مقابلة، أو إجابة دعوة؛ لكثرة أعماله، ودوام ارتباطاته.
وقد لا يلام على ذلك؛ فهذه طبيعة عمله؛ فإذا ما عزل، أو انتهت فترة خدمته تراه حرج الصدر، لهيف القلب، كاسف الوجه، ناكس الصدر، كثير الفراغ، دائم العتاب، تتناجى الهموم في صدره، فتقض مضجعه، وتؤرق جفنه.
(1) _ انظر ذلك مفصلًا في شفاء العليل لابن القيم ص147_ 164.
(2) _ انظر فيض الخاطر 10/211.