فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 161

وإذا بالتلاميذ يعقبون على نفحة الأستاذ قائلين: ضيعت وقتنا، ما الفائدة من كل هذا العناء؟+ [1] .

ثم عقب العقاد على هذا الحدث بقوله: =كانت هذه الصدمة خليقةً بأن تكسرني كسرًا لو أن اجتهادي كان محلَّ شك عندي، أو عند الأستاذ، أو عند الزملاء.

أما وهو حقيقة لا شك فيه فإن الصدمة لم تكسرني، بل نفعتني أكبر نفع حمدته في حياتي، وصح قول (نيتشه) : كل ما لم يقتلني يزيدني قوة.

لأني لم أحفل بعدها بإنكار زميل، ولا رئيس، وعلمت أن الفضل قيمته فيه، لا فيما يقال عنه أيا كان القائلون+ [2] .

بل إن كثيرًا من العقلاء يتعلم من الحيوانات البهم أمورًا تنفعه في معاشه، وأخلاقه، وصناعته، وحربه، وحزمه، وصبره.

قيل لرجل: من علمك البكور في حوائجك أول النهار لا تخل به؟

قال: من علَّم الطير تغدو خماصًا كل بكرة في طلب أقواتها على قربها وبعدها، لا تسأم ذلك، ولا تخاف ما يعرض لها في الجو والأرض.

وقيل لآخر: مَنْ علَّمك السكون، والتحفظ، والتماوت حتى تظفر بإربك، فإذا ظفرت به وثبت وثوب الأسد على فريسته؟

قال: الذي علم الهرة أن ترصد جحر الفأرة، فلا تتحرك، ولا تتلوى، ولا تختلج حتى كأنها ميتة، حتى إذا برزت الفأرة وثبت عليها كالأسد.

وقيل لآخر: من علمك حسن الإيثار والبذل والسماحة؟

قال: مَنْ عَلَّم الديك يصادف الحبة في الأرض، وهو يحتاج إليها ولا يأكلها، بل يستدعي الدجاج، ويطلبهن طلبًا حثيثًا حتى تجيء الواحدة منهن، فتلتقطها وهو مسرور بذلك، طيب النفس به.

فإذا وضعت له الحب الكثير فرقه ههنا وههنا، وإن لم يكن له دجاج؛ لأن طبعه قد ألِفَ البذل والجود، فهو يرى أنه من اللؤم أن يستبد وحده بالطعام.

(1) _ ذكرياتي مع عباس العقاد ص27 _ 28.

(2) _ ذكرياتي مع عباس العقاد ص28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت