فهرس الكتاب
ثم تحدث عن مدرس الحساب فقال: =كان يؤمن بالخرافات، وشفاعات الأولياء، وكان محدود الفهم في دروسه، ولا سيما المسائل العقلية في دروس الحساب+ [1] .
وبعد أن ذكر بعض المواقف مع ذلك الأستاذ قال: =ولكن الدرس الأكبر الذي أحسبه أكبر ما استفدته من جميع الدروس في صباي كان بصدد مسألة حسابية من تلك المسائل العقلية.
كنت شديد الولع بهذه المسائل، لا أدع مسألة منها دون حل مهما يبلغ من إعضالها.
وكان الأستاذ يحفظ منها عددًا كبيرًا محلولًا في دفتره يعيده على التلاميذ كل سنة، وقلما يزيد عليه شيئًا من عنده.
وعَرَضَتْ في بعض الحصص مسألةٌ ليست في الدفتر، فعالَجْنا حلَّها في الحصة على غير جدوى، ووجب في هذه الحالة أن يحلها الأستاذ لتلاميذه فلم يفعل، وقال على سبيل التخلص: إنما عرضتها عليكم؛ امتحانًا لكم؛ لتعرفوا الفرق بين مسائل الحساب، ومسائل الجبر؛ لأنها تشتمل على مجهولين.
لم أصدق صاحبنا، ولم أَكُفَّ عن المحاولة في بيتي، وبقيت ليلة ليلاء حتى الفجر، وأنا أقوم وأقعد عند اللوحة السوداء حتى امتلأت من الجانبين بالأرقام، وجاء الفرج قبل مطلع النهار، فإذا بالمسألة محلولة، وإذا بالمراجعة تثبت لي صحة الحل، فأحفظ سلسلة النتائج وأعيدها؛ لأستطيع بيانها في المدرسة دون ارتباك أو نسيان.
قلت: لقد حللت المسألة.
قال الأستاذ: أية مسألة.
قلت: المسألة التي عجزنا عن حلها في الحصة الماضية.
قال: أو صحيح؟ تفضل، أرنا همتك يا شاطر!
وحاول أن يقاطعني مرة بعد مرة، ولكن سلسلة النتائج كانت قد انطبعت في ذهني؛ لشدةِ ما شغلتني، وطُوْلِ ما راجعتها، وكررت مراجعتها، وانتظرت ما يقال.
فإذا الأستاذ ينظر إليّ شزرًا وهو يقول: لقد أضعت وقتك على غير طائل؛ لأنها مسألة لن تعرض لكم في امتحان.
(1) _ ذكرياتي مع عباس العقاد ص25.