فهرس الكتاب
أما النابغة العاقل الحازم، ذو الهمة العالية، والبصيرة النافذة _ فيحرص كل الحرص على أن يوظف الأمور كي تسير في صالحه، وأن يفيد من جميع المواقف التي تمر به مهما اختلفت عليه، فتراه =ينتفع بكل من خالطه وصاحبه، من كامل، وناقص، وسيء الخلق، وحسنه، وعديم المروءة، وغزيرها.
وكثير من الناس يتعلم المروءة ومكارم الأخلاق من الموصوفين بأضدادها، كما روي عن بعض الأكابر أنه كان له مملوك سيء الخلق، فظ، غليظ، لا يناسبه.
فسئل عن ذلك، فقال: إني أدرس عليه مكارم الأخلاق !
وهذا يكون بمعرفة مكارم الأخلاق في ضد أخلاقه، ويكون بتمرين النفس على مصاحبته، ومعاشرته، والصبر عليه+ [1] .
قال ابن حزم×: =ولكل شيء فائدة، ولقد انتفعت بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة، وهي أنه توقد طبعي، واحتدم خاطري، وحمي فكري، وتهيج نشاطي، فكان ذلك سببًا إلى تواليف لي عظيمة، ولولا استثارتهم نشاطي، واقتداحهم كامني ما انبعثت لتلك التواليف+ [2] .
وهذا الأديب الكبير عباس محمود العقاد يقول في صدد الحديث عن أساتذته، وعن استفادته منهم: =استفدت في مرحلة التعليم الابتدائي من أستاذين اثنين على اختلاف بينهما في طريق الإفادة؛ فإن أولهما قد كان قاصدًا، والآخر أفادني على غير قصد منه، فحمدت العاقبة على الحالين.
كان أحد الأستاذين الشيخ فخر الدين محمد الدشناوي، وكان يميل إلى التجديد والابتكار في التعبير، ويمنح أحسن الدرجات للتلميذ المتصرف في مناحي الكلام، وأقلها للتلميذ الذي يقتبس من نماذج الكتب.
وكانت دروسه تلتهب حماسة ووطنية، ولها تأثيرها البليغ في نفوس التلاميذ، خصوصًا في زمن كانت تئن فيه البلاد من وطأة الاحتلال.
أما الأستاذ الثاني فمدرس الحساب+ [3] .
(1) _ مدارج السالكين 2/335 .
(2) _ الأخلاق والسير ص48.
(3) _ ذكرياتي مع عباس العقاد، لطاهر الجبلاوي، إعداد عباس طاهر الجبلاوي ص25.