فهرس الكتاب
والحديث _ههنا_ ليس في شأن من يُفَرِّط في الواجبات المفروضة؛ فَيُدْعى إلى فعلها، ويعاتب على تركها، بل هو حديث إلى من يبادر إلى النوافل بعد الفرائض، ويسارع إلى الخيرات؛ حيث تجد فئامًا من هؤلاء لا ينظر في روح العبادة، فتراه يقوم الليل، ويتصدق بجانب من ماله، ويصوم النفل، ويختلف كثيرًا إلى البيت الحرام حجًا وعمرة.
ولكنه لا ينظر في أثر ذلك على قلبه، وزيادة إيمانه، وعلاقته بربه، واحتساب الأجر عنده.
وترى من هؤلاء _على سبيل المثال_ من إذا حج أو اعتمر كان همه الأكبر أن ينهي نسكه دون أن يستشعر عظم ما يقوم به، وأثر ذلك على قلبه؛ فينتهي من النسك وحاله هي هي.
واللائق بمن يريد سعادة العاجل والآجل أن يقبل على ربه بحضور قلب، واستحضار لشهود الله واطلاعه عليه، وحرصٍ على إيقاع العمل على أتم وجوهه، وأكمل صوره.
وهذا مقام عظيم يضاعف لأجله الثواب أضعافًا كثيرة، سواء كان ذلك في صلاة الإنسان، أو صدقته، أو صيامه، أو حجه، أو ذكره لله، أو قراءته للقرآن.
ومن أعظم ما يُعين على ذلك أن يستشعر المسلم عظمة العبادة، وفضائلها؛ فالعبادة في الإسلام هي الغاية المحبوبة لله، المرضية له التي خلق لأجلها الخلق وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، ومدح القائمين بها، وذم المستكبرين عنها.
والعبادة في الإسلام لم تشرع للتضييق على الناس، ولا لإيقاعهم في الحرج، وإنما شرعت لحِكَمٍ عظيمة، ومصالح كثيرة، لا يحاط بعدّها وحصرها.
فمن فضائل العبادة: أنها تزكي النفوس، وتطهرها، وتسمو بها إلى أعلى درجات الكمال الإنساني.