فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 161

وهذا مما يكدِّر المعروف، ويُذلُّ طالب الحاجة، ويورثه الملل.

قال ابن عباس _رضي الله عنهما_: =لا يتم المعروف إلا بثلاث: بتعجيله، وتصغيره، وستره؛ فإذا عجَّله هنَّأه، وإذا صغره عظَّمه، وإذا ستره تمَّمه+.

وقال المثنى بن حارثة الشيباني: =لأن أموت عطشًا أحب إلي من أخلف موعدًا+.

وقال بعض الحكماء: =وعد الكريم نقدٌ، ووعد اللئيم تسويفٌ+.

وقال زياد الأعجم زاريًا على من يخلف:

لله درك من فتى ... لو كنت تفعل ما تقول

لا خير من كذب الجوا ... د وحبذا صدق البخيل

وقال آخر:

وإن جمع الآفات فالبخل شرُّها ... وشرٌّ من البخل المواعيد والمطلُ

وقال ابن حازم:

إذا قلت عن شيء: نعم، فأتمَّه ... فإن نعم دينٌ على الحرِّ واجبُ

وإلا فقل: لا، واسترح وأرح بها ... لئلا يظن الناسُ أنك كاذبُ

الإنسان في مقتبل عمره، وفي حال قلة تجربته، وممارسته _ يكثر نَقْدُه للأوضاع، ويقِلُّ رضاه وقناعته بما يتحقق من نجاحات.

وتراه مجنحًا في الخيال، مغرقًا في تطلب الكمال، مبالغًا في تصوير الأمور، معممًا حال إصداره الأحكامَ.

فإذا تكامل عقل المرء، وصقلته التجارب، وعركته الأيام، ووسمته بميسمها، وكان _مع ذلك_ ذا فطنة مستيقظة، تعتبر بتقلب الأحوال، وتنظر في عواقب الأمور _ كان أقرب للواقعية، وأكثر دقة في النقد، وأبعد عن التعميم، وأكثر رضًا بما يتحقق من نتائج؛ فهو يسعى للكمال، ولكنه لا يطالب بالمستحيل.

وصار من طبعه التماسُ العذر، والرحمةُ بالناس، والبعدُ عن كثرة العتاب، والحرص على النقد الهادف البناء.

أما إذا كان راضيًا بحاله، غير ساع في تطوير نفسه، ولا معتبر بما يمر به في حياته _ فإنَّ مَرَّ الأيام لا يزيده إلا خمودًا وركودًا، بل ربما تَكْبُرُ معه سيئاتُه ورعوناتُه.

ما أكثر ما في القرآن الكريم من الإشارات التي تفيد في طرد الهم، وجلب السعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت