فهرس الكتاب
فمعنى [سِيْرُوا فِيْهَا لَيَالِيَ وأَيَّامًَا آمِنِيْن] أي سيروا كيف شئتم.
ولكنهم _مع ذلك كله_ لم يشكروا نعمة الله، بل أعرضوا، وقالوا [رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا] .
وقد درج المفسرون على أنهم دعوا الله بذلك؛ فلم يقدروا نعمة الله العظيم قدرها؛ فسألوا الله أن تزول تلك القرى العامرة؛ ليسيروا في الفيافي، ويحملوا الأزواد من الطعام والشراب.
ثم يحتمل _كما يقول ابن عاشور_ أن يكون أصحاب تلك المقالة ممن كانوا أدركوا حال تباعد الأسفار في بلادهم قبل أن تؤول إلى تلك الحضارة، أو ممن كانوا يسمعون أحوال الأسفار الماضية في بلادهم، أو أسفار الأمم البادية، فتروق لهم تلك الأحوال.
وهذا من كفر النعمة الناشئ عن فساد الذوق في إدراك المنافع وأضدادها؛ لذا كانت النتيجة [فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ] .
فصار أولئك القوم الذين يعيشون في بحبوحة من العيش أحاديث، أي لم يبق منهم أحد، فصار وجودهم في الأخبار والقصص؛ حيث تفرقوا بعد سيل العرم؛ فكان ذلك مُسْرِعًا فيهم بالفناء بالتغرب في الأوطان، والفاقة، وتسلط العوادي في الطرقات، حتى ضربت العرب بهم المثل في قولهم: ذهبوا أو تفرقوا أيدي، أو أيادي سبأ، كما قال ذو الرمة:
فيا لك من دار تفرق أهلها ... أيادي سبًا عنها وطال انتظارها
والمقصود مما سبق إيراده من هذه القصة هو التنبيه على أمر يقع فيه بعض الناس من المسلمين ممن أدركوا شظف العيش، وشدة الفاقة، وتباعد الأسفار؛ فمنَّ الله بعد ذلك على الناس بوفرة المال، ورغد العيش، وكثرة وسائل الرفاهية، والمواصلات، وما جرى مجرى ذلك؛ فتجد من الناس من يتلهف على ماضيه، وسالف زمانِه.
والحنينُ إلى الماضي مروءة، قال ابن عبدالبر ×: =قيل لبعض الحكماء: بأي شيء يُعرف وفاء الرجل دون تجربة أو اختبار؟ قال: بحنينه إلى أوطانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه+.