فهرس الكتاب
وما أجمل أن تذكر الحالة السابقة حتى ينبعث الإنسان إلى مزيد من الشكر.
ولكن الذي يحصل _أحيانًا_ أن تُذْكَرَ الحالةُ الماضيةُ مصحوبة بشيء من التنكر للنعمة الحاضرة؛ فتجد من يقول: هذه النعمة تسببت في الغفلة، والقطيعة، فياليت حالنا الأولى ترجع؛ حتى تعود الألفة، والترابط.
وقد يقول مثل ذلك مَنْ أبطرتْهُمُ النعمة، فتراهم يملُّون حياةَ الدعةِ، والراحة؛ فيقولون بمثل المقالة السابقة.
ولا ريب أن ذلك ضرب من الجهل، والتشبهِ بالذين مرَّ ذِكْرُهم في الآية.
وإلا هل يريد أولئك أن ترجع إليهم حياة الجوع، والفقر، والمرض، والسلب؟
أليس تيسُّرُ السبل، ووجود الكهرباء، ونعمةُ المساكن، وتوافر الدواء، وكثرة وسائل الاتصال _ من أعظم ما يبعث على الراحة، والطمأنينة، والأمن، والتفرغ للعبادة بمفهومها الشامل لمن أراد الآخرة، وسعى لها سعيها؟
فاللائق بالإنسان إذا كان في كل ضيق أن يتعبد الله بالصبر؛ فتلك عبودية الضراء، وإذا وسع له في الرزق أن يزيد من الشكر؛ فتلك عبودية السراء.
ولهذا انظر إلى الآيات السابقة كيف خُتمت بخاتمة عجيبة؛ حيث جمعت بين وصفين عظيمين قال _تعالى_: [إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ] .
والجمع بين هذين الوصفين لإفادة أن واجبَ المؤمنِ التخلقُ بهذين الخلقين، وهما الصبر على المكاره، والشكر عند النعم.
فالصبار يعتبر من تلك الأحوال؛ فيعلم أن الصبر على المكاره خير من الجزع، ويرتكب أخف الضررين، ولا يستخفه الجزع، فيُلقي بنفسه إلى الأخطار، ولا ينظر في العواقب.
والشكور يعتبر بما أُعطي من النعم؛ فيزداد شكرًا لله _تعالى_ ولا يَبْطَر النعمةَ، ولا يطغى؛ فيعاقب بسلبها كما سُلبت عن سبأ.
قرأت في كتاب الحديقة للشيخ محب الدين الخطيب × بيتين لشاعر لم أسمع به قبل ذلك، اسمه أحمد عبيد، يقول فيها:
بحثت عن الأديان في كل أمة ... وطفت بلاد الله غربًا ومشرقًا