ولقد غدا ذلك النوع من الكتابة أدبًا عالميًا مرموقًا في مختلف اللغات يُتهافت على قراءته؛ للتمتع بما يتضمنه من أفكار ناضجة، أو بيان رائع، أو تجارب نافعة.
ثم إن ما يحويه هذا الكتاب لا يسير على نمط معيَّنٍ من حيث الفكرة، أو الطول أو القصر؛ فتارة يكون خاطرة في سطر أو أقل أو أكثر، وتارة يكون عنوانًا وتحته أسطر في صفحة أو أقل، وتارة في عدد من الصفحات، وهكذا...
وقد تكون الخاطرة ناتجة عن تأمل في آية، أو وقفة مع حديث، أو أخذ العبرة من حادثةٍ تاريخية، أو مثلٍ سائر، أو بيت شعر شارد، أو موقفٍ من المواقف العامة أو الخاصة، أو نظر في أحوال الناس، ومجريات الحياة، وهلم جرا.
وقد يُشار إلى فكرةٍ، أو خاطرةٍ إشارةً مقتضبة، ثم تُفَصَّل في موضع آخر، والعكس.
ثم إن الإنسان قد يكتب فكرة, أو تجول في باله خاطرة؛ فيظن أنه أبو عُذْرَتها [1] فما يلبث حتى يقف على من سبقه إليها؛ فكم من كلام تنشئه فترى أنه سبقك إليه متكلم, وكم من فهم تستظهره وقد تقدمك إليه متفهم, وقديمًا قال عنترة:
هل غادر الشعراء من متردَّم [2]
وهذه الخواطر كُتبت في أحوال متنوعة؛ فبعضها كُتب في السفر، وبعضها في الحضر، وبعضها في الليل، وبعضها في النهار، وبعضها في الشتاء، وبعضها في الصيف؛ حيث اقترح بعض الإخوة أن تمر عليها فصول السنة؛ حتى تختمر، ويزداد نضجها.
وكم تمنيت أن أضع أمام كل خاطرة تاريخها، وساعة كتابتها، ولكن لم يكن في الحسبان _ابتداءً_ أنها ستخرج في كتاب.
وعلى كل حال فقد كُتبت هذه الخواطر ما بين عام 1417هـ إلى عام 1428هـ، وأكثرها ما بين 1426هـ إلى 1428هـ.
ولا يسعني وأنا أضع يدي عن شباة القلم إلا أن أُزجي الشكر والدعاء لكل من أعان على إخراج هذه الخواطر كتابة، وتصحيحًا، ومراجعة.
(1) 1_ أبو عذرة: تطلق هذه العبارة على منشىء الشيء, ومخترعه, ومبتدعه.
(2) _ انظر تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور1/7_8