فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 161

فهذه إشارات يسيرة في توارد الخواطر عند الشعراء، وكتب الأدبِ، والبلاغة حافلة بهذا الأمر، ككتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري، والمثل السائر لابن الأثير، وغيرهما.

البساطة, وأخذ الأمور مأخذًا سهلًا بعيدًا عن التعقيد, والرسمية _ يعطي الحياة رونقًا, ومذاقًا لذيذًا, ويقضي على جراثيم الأبهة, والعظمة الزائفة, ويريح من أعباء تنال نيلها من الصحة, والأعصاب, والمال.

ولا أعني بذلك الفوضى, وترك الحبل على الغارب على حد قول شاعر النيل:

ولذيذ الحياة ما كان فوضى ... ليس فيه مسيطر أو نظام

وإنما المقصود أن يكون هناك نوع من المرونة يكسر حدة الصرامة والجدية، ويضفي على الحياة شيئًا من اللطافة والبهجة.

ومن التكلف المذموم ما كان في الكلام، وذلك إذا كان مشتملًا على تقعُّرٍ، وتطلُّب للغريب.

والبلاغة تقتضي أن يكون الكلام من باب (السهل الممتنع) السهل فهمه، الممتنع رومُه والنسجُ على منواله؛ بل لقد قيل لأحد البلغاء: ما حدُّ البلاغة؟ قال: =التي إذا سمعها الجاهل ظنَّ أنه يقدر على مثلها، فإذا رامها استعصت عليه+.

قال أبو هلال العسكري × في كتابه الماتع (الصناعتين) ص62: =وقد غلب الجهل على قومٍ فصاروا يستجيدُون الكلامَ إذا لم يقِفُوا على معناه إلا بكَدّ, ويستفصحونه إذا وجَدُوا ألفاظَه كزَّة غليظةَ, وجاسِيةً غريبة, ويستحقِرُون الكلامَ إذا رأَوْه سَلِسًا عذبًا وسهلًا حُلْوًا؛ ولم يعلموا أنَّ السهلَ أمنعُ جانبًا, وأَعزُّ مَطْلَبًا؛ وهو أحسنُ موقعًا, وأعذبُ مستَمَعًا.

ولهذا قيل: أجود الكلامِ السهلُ الممتنِع.

أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولي, قال: حدّثنا أحمد بن إسماعيل, قال: وصف الفضل بن سهل عمرو بنَ مسعدة فقال: هو أبلغُ الناسِ؛ ومِنْ بلاغَتِه أنَّ كلَّ أحدٍ يظنُّ أنه يكتُبُ مِثْلَ كُتُبِه, فإذا رَامَها تعذَّرَتْ عليه+.

ومن التكلف _كذلك_ التكلف في الملبس، والمشية، إلى غير ذلك من صنوف التكلف الذي نهينا عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت