فهرس الكتاب
ها هو الجو مهيأ لك، وهذه فرصتك التي ربما تكون خيرًا لك، والصلاة خيرٌ من النوم.
هناك من يظن أن الرجل الصالح التقي لا يكون ذا دهاء وكياسة وفطنة، وإنما هو رجل ساذج، وإنسان طيب غافل، وربما استدلوا على ذلك بالحديث المروي عن النبي": =المؤمن غرٌّ كريم، والفاجر خبٌّ لئيم+."
فما سبب ذلك؟ وهل يمكن أن يجتمع الدهاء مع الاستقامة والصلاح؟ وما التوجيه للحديث المذكور؟
أما سبب ذلك الظن فهو كثرة ما يصاحب الدهاء من المنكر، والنزوع إلى الشر؛ فلأجل ذلك توهم بعض الناس أنه لا يجتمع مع سلامةِ القلب، والحرصِ على فعل الخير؛ فتراهم يعدون غفلة الرجل عما ينطوي عليه الكلام من مغامز، وما يُراد به من مكايد _ أثر صلاحه، وطيب سريرته.
وأما إمكان اجتماع الدهاء مع الاستقامة والصلاح فممكن، بل كثيرًا ما يجتمعان في أهل الإيمان؛ فالدهاء قد يقترن مع الاستقامة، فيُصْرَف في تدبير الوسائل التي تكفي شرًا مقبلًا، أو تجلب خيرًا متعسرًا.
وقد يقترن الدهاء مع زيغ العقيدة، أو لؤم الطبيعة، فيندفع بصاحبه في شعاب الباطل، ويكون نصيبه في الإفساد فوق نصيب الغباوة.
وإذا اجتمع الدهاء والاستقامة في رجل كان عظيمًا، وجديرًا بأن يكون له أثر كبير.
وأما الحديث المذكور فقد تكلم الحفاظ في سنده، حتى ذهب بعضهم إلى أنه موضوع، وهو _بقطع النظر عن سنده_ قد وقع لفظ (الغِرِّ) فيه مقابلًا للفظ (الخِبّ) وهو الخَدَّاع؛ فيكون المراد بالغرارة، أو الغرِّية: أن من صفاته الصفحَ، والتغاضيَ حتى يُظن أنه غر؛ ولذلك عقَّبه بقوله: =كريم+ لدفع الغِرِّية المؤذنة بالبله؛ فإن الإيمان يزيد الفطنة؛ لأن أصولَ اعتقادِه مبنيةٌ على نبذِ كلِّ ما من شأنه تضليلُ الرأيِ وطمسُ البصيرةِ؛ فيكون المرادُ غفلتَه عن الشر؛ فإن كريمَ الأخلاقِ طيبُ السريرة لا يبحث عن الشر بحث من يريد التوغل في طرقه، والخوض في غماره.