فهرس الكتاب
وهو مع كونه لا يبحث عن هذه الطرق بحث المولع بها _فإنه يأخذ بسنة الاحتراس؛ فلا ينخدع لخب يزخرف له القول مداهنة، أو ينصب في طريقه حِبَالةً؛ فغفلة الرجل عن وسائل الشر؛ لانصرافه إلى الخير لا تُنْقِصُ من كياسته في تدبير وسائل الخير، أو الاحتراز عما يُهيأ له أو لقومه من الشر.
فلا يصح أن يكون الإيمانُ الذي هو أساس استنارة الفكر سببَ الانخداع لتمويه مبطل، أو مخاتلة ذي مأرب.
قال المغيرة بن شعبة ÷: =كان عمر أفضل من أن يَخْدَع، وأعقل من أن يُخْدَعْ+.
أما إظهار الانخداع مع التفطن للحيلة إذا كان في غير مضرة، أو كان جالبًا لمصلحة أخرى كتألف الناس _ فذلك من الكرم والحلم, قال الفرزدق:
استمطروا من قريش كل منخدع ... إن الكريم إذا خادعته انخدعا
وإلى هذا المعنى اللطيف أشار العلامة الشيخ: محمد الخضر حسين × في كتابه رسائل الإصلاح، والشيخ العلامة محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير) عند قوله _تعالى_: [يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] .
في الناس من إذا تقدم به العمر, وكثر تقلبه في هذه الحياة الدنيا _ زادت شكواه من تلون أهل وده, وكثر عتبه على من كان ملء سمعه وبصره.
ولا ريب أن بقاء المودة, واستمرار رابطة الصلة نادر قليل، ومن ذا الذي يا عَزّ لا يتغير.
فلا بد _إذًا_ من توطين النفس على طروء التغير, وتلون المودة, وتقلب الأحوال؛ فالأيام دول، والدهر قُلَّب, والتقصير حاصل, والملل يعتري النفوس, والخلل قد يقع من غيرك عليك, ومنك على غيرك؛ فخذ العفو, والتمس العذر, وأمسك لسانك عن الوقيعة, ولا تكثر من تحميل غيرك التبعة, وفي الوقت نفسه لا تبالغ في لوم نفسك, ثم استغفر لذْنبك؛ وتب إلى ربك؛ لأن الجفاء، والتجني, والقطيعة _ عذابٌ, وهَمٌّ.
وذلك كله من جملة البلاء, وما نزل بلاء إلا بذنب, وما رفع إلا بتوبة واستغفار.