فهرس الكتاب
وأخيرًا خذ بوصية أسامة بن منقذ الذي عُمِّر طويلًا, فتجاوز التسعين, ومر بالتجارب, وعانى الخطوب, وخاض الحروب, وعركته الأيام بِمَيْسَمها, وذاق حلوها ومرها, ها هو يقول:
وما أشكُو تلَوُّنَ أهلِ وُدّي ... ولو أجْدَتْ شَكِيَّتُهم شكوْتُ
مَلِلْتُ عتابَهم ويئستُ منهُم ... فما أرجوهُمُ فيمن رَجوتُ
إذا أدْمَتْ قَوارِصُهُم فؤادي ... كَظَمتُ على أَذَاهم وانطويْتُ
ورُحتُ عليهِمُ طَلْقَ المُحَيَّا ... كأَنّي ما سمِعتُ ولا رأيتُ
تجنَّوْا لِي ذُنوبًا ما جنتْها ... يَدايَ ولا أَمرتُ ولا نَهيتُ
ولا واللّهِ ما أضمرتُ غدْرًا ... كما قد أظهَروهُ ولا نَويتُ
ويومُ الحشرِ موعدُنا وتَبدُو ... صحيفةُ ما جنَوْهُ وما جنيتُ
من الناس من يسيء إليك وكأنه محسن لك, فلا يريدك أن تعاتبه، أو ترد له إساءته.
ومنهم من لا يرضى بأن تقصر في حقه ألبتة, ومنهم من لا يرضيه إلا الإحسان المتتابع, ومنهم من لا يرضيه إلا أن تحسن إليه وحده، ولو علم أنك أحسنت إلى غيره لهان عليه كل ما قدمت له.
ومنهم من يرضيه أدنى إحسان منك, ومنهم من يكفيه أن تكون كفافًا لا له ولا عليه, ومنهم من يحسن إليك, ويتحمل جفوتك, وعتابك.
أعمى وأعشى ثم ذو ... بَصَرٍ وزرقاء اليمامة
فيا لله من لك بمن يعفو عن زلتك, ويرضيه اليسير من برك, ويصبر على الكثير من جفائك, ويعجبه أن تحسن إلى الناس, ويقبلك على علاتك, ويغض الطرف عن عيوبك.
فمن لي بهذا ليت أني لقيته ... فقاسمته ما لي من الحسناتِ
كلمة تجري على ألسنة الشعراء, ويكثر ذكرها بين الأحبة, والأُلاف والأصدقاء, فهم يفرحون باللقاء, ويرتقبونه بكل شوق, ثم ينقضي بسرعة البرق, وبقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاصل.
ولهذا كان للوداع نصيب غير منقوص في أبيات الشعراء, ومنشآت الأدباء؛ فللوداع لوعته, ودموعه, وزفراته, وللشعراء مذاهبهم المختلفة في تصويره, ونظرتهم له.